ندوات

مواجهة الحرب الناعمة- الشيخ نعيم قاسم

باسمه تعالى
مواجهة الحرب الناعمة
 
المحاضرة التي ألقاها نائب الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم  بدعوة من مركز "قيم" وهيئة التعليم العالي في التعبئة التربوية-حزب الله في مطعم الساحة، طريق المطار يوم الثلاثاء في 10/01/2012م.
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين، حبيب إله العالمين أبي القائم محمد(ص)، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وصحبه الأبرار المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والصالحين إلى قيام يوم الدين. السلام عليكم أيها السادة العلماء، أيها الأخوة والأخوات، ورحمة الله وبركاته.
 
أولاً- تعريف الحرب الناعمة.
لا بدَّ في البداية أن نعرِّف المقصود بالحرب الناعمة، لأنَّها مصطلحٌ غير سائد في بلدنا بل في منطقتنا، بل هي مصطلحٌ جديدٌ في الاستعمال العالمي، وعلى الرغم من مشابهتها في المضمون لمصطلحات أخرى كانت تستخدم للتعبير عنها بأشكال مختلفة: كحرب المعنويات، وغسل العقول، والغزو الثقافي، والحرب السياسية.... فإنَّ الحرب الناعمة هي التي تستخدم القوة الناعمة، التي عرفها جوزيف ناي(1) بقوله: "القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً عن الإرغام"(2). وإنما انطلقنا من تعريفه لأنَّه أبرز الشخصيات الأمريكية الذين كتبوا عن هذا الموضوع حديثاً، وأصدر كتاباً بعنوان "القوة الناعمة"، وبالتالي فإنَّ كل ما نراه من تحركات أمريكية في مواجهة شعوب منطقتنا وفي كل لحظة من اللحظات التي تمر، إنما هي جزءٌ من الحرب الناعمة التي تستخدم أمريكا فيها القوة الناعمة. وقال ناي أيضاً: "إنَّ القوة الناعمة تعني التلاعب وكسب النقاط على حساب جدول أعمال الآخرين، من دون أن تظهر بصمات هذا التلاعب، وفي نفس الوقت منع الآخرين من التعبير عن جدول أعمالهم وتفضيلاتهم وتصوراتهم الخاصة، وهي علاقات جذب وطرد وكراهية وحسد وإعجاب"(3). 
 
وهو عندما يؤسس للقيم والأسباب والمواهب التي تستخدم لخدمة القوة الناعمة في الحرب الناعمة، يخلص إلى أنَّ موارد القوة الناعمة تدور حول محاور ثلاثة: 
الأول: "تعزيز القيم والمؤسسات الأميركية، وإضعاف موارد منافسيها وأعدائها".
والثاني: "توسيع مساحة وجاذبية الرموز الثقافية والتجارية والإعلامية والعلمية الأميركية وتقليص نفوذ منافسيها وأعدائها ".
والثالث: "بسط وتحسين وتلميع جاذبية أميركا وصورتها وتثبيت شرعية سياساتها الخارجية، وصدقية تعاملاتها وسلوكياتها الدولية، وضرب سياسات أعدائها"(4). 
 
إذاً عندما نتحدث عن قوة ناعمة تريد أن تقتحم بلداننا وأفرادنا، إنما نتحدث عن مشروعٍ أمريكي معاصر، اختار القوة الناعمة المقابلة للقوة الصلبة (المادية العسكرية)، لعجزه عن الوصول إلى أهدافه عن طريق القوة الصلبة، أو لتخفيف التكلفة الباهظة المترتبة عليها. وقد لجأ إلى القوة الناعمة ليخرِّب من داخلنا، وليسقطنا من داخلنا، بأيدينا وأدواتنا، من دون أن نلتفت في كثير من الأحيان إلى ما يحصل، بل نعيش أحياناً حالة الغبطة بما يحصل، يترافق ذلك مع تعديل القيم التي يريدون تأسيسنا عليها لتسود قيمهم، ثم نندفع بشكل طبيعي وعادي لتصديقها وتنفيذها، فيتعدِّل سلوكنا تبعاً لها، فنتحول أتباعاً بدل أن نكون مستقلين وأصحاب قرار.
ومن أجل تحقيق تثبيت هذه القيم وتحقيق أهدافها، تستفيد القوة الناعمة من كل المؤثرات والرموز البصرية والإعلامية والثقافية والأكاديمية والبحثية والتجارية والعلاقات العامة والدبلوماسية، فلا تترك جانباً من جوانب التأثير إلاَّ وتدخل من خلاله، لتحقيق الموارد الثلاثة التي ذكرناها أعلاه، وإخضاع الخصم للمنظومة الغربية، كما تستفيد هذه القوة الناعمة من منظومة العولمة بأدواتها ووسائلها التي تتحكم بإدارتها أمريكا كقطب مركزي آحادي في العالم اليوم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.
 
ثانياً: الفرق بين الحرب الناعمة والحرب النفسية.
تركِّز الحرب الناعمة بأساليبها على الاستمالة والإغواء والجذب، من دون أن تظهر للعيان، ومن دون أن تترك أي بصمات. في حين تركِّز الحرب النفسية والدعاية على إرغام العدو وتدمير إرادته ومعنوياته بصورة شبه مباشرة وعلنية.
إنَّ الوسائط والأدوات المستخدمة اليوم في الحرب الناعمة متوفرة وفي متناول الجميع من دون استثناء، ودخلت إلى كل البيوت 24/24 ساعة وعلى مدارها، في حين أنَّ الحرب النفسية توجه بشكل أساس نحو كتلٍ منظمة ومتراصة ومتماسكة وصلبة، مثل: الجيوش والحكومات والمنظمات التي تسيطر وتهيمن بصورة كلية على وعي وميول الرأي العام. فالحرب الناعمة تستهدف الجميع، وفي كل الأوقات، وبوسائل متنوعة جداً، وبجاذبية. أما الحرب النفسية فتتجه لإضعاف الرأس والقدرة والحكام والموجهين وتماسك الجماعة، على قاعدة أنها إذا أضعفتهم أسقطتهم فيسهل التأثير على الناس، فلا يبقى للجماعة قائد مؤثر، ويسقط القائد عند جماعته، ولا يصمد الحاكم أمام الضغوطات فيفشل في توجيه الرعية التي تتخلى عنه، وهكذا...
هذا الفرق هو الذي يُظهر لنا كم هي قدرة القوة الناعمة على أن تدخل إلى كل تفاصيل حياتنا بداءًا من الأطفال وانتهاءاً بالشيوخ من دون تمييزٍ بين الرجال والنساء.
 
ثالثاً: القوة الناعمة مع إبليس.
القوة الناعمة بصورتها المعاصرة من الأبحاث الجديدة في وسطنا وفي العالم، ولكنَّ الله تعالى قد عرَّفنا على القوة الناعمة منذ بدء الخليقة مع إبليس، عندما ذكر الحوار الذي جرى بينه وبين إبليس، الذي رفض السجود لآدم(ع)، فطرده من الجنة، عندها طلب طلباً واحداً من رب العالمين، "قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ"(5) فاستجاب الله تعالى له بإبقائه حياً إلى نهاية الحياة الدنيا، "قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ"(6)، ثم أعلن إبليس اتجاهه للوسوسة والإفساد والإغواء: "قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ"(7)، إنَّها إرادة الله تعالى، أن يكون إبليس رمزاً للفساد والانحراف، من دون أن يملك السيطرة المادية المباشرة على أحد، فهو يعمل بالإغواء والزينة والتدليس والوسوسة: "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ* إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ"(8)، فلا يقوم بعمل عسكري، ولا يقوم بعمل مادي مباشر، فكل أعماله تدور حول التدليس والزينة والوسوسة. ويتحمل الناس مسؤولية الاختيار بأعمالهم، حيث يكون تأثيره على الذين يستجيبون له، أما المؤمنون فلن يستجيبوا له لتمسكهم بطريق الصلاح وإخلاصهم لله تعالى.
 
من الذي يتأثر بهذه القوة الناعمة الإبليسية عبر التاريخ وفي الحاضر وفي المستقبل؟ قال تعالى: "لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ"(9)، فلا بدَّ من وجود قابلية عند المتلقي، كي يتأثر بهذه التوجيهات والإغراءات التي يقوم بها إبليس(لعنه الله). قال أمير المؤمنين علي(ع): "ولو أن الحقَّ خلُص من لُبس الباطل لانقطعت عنه ألسن المعاندين, ولكن يؤخذ من هذا ضغثٌ ومن هذا ضغثٌ فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه, وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى"(10). فالالتباسات التي تحصل إنما تكون  بتشويه الحقائق وتزييفها، وما لفتني تلك الفكرة المركزية التي وجهنا الله تعالى إليها، وهي لب الموقف الرئيس الذي يجب أن نتخذه في مواجهة الحرب الناعمة، فقد أمرنا الله تعالى أن نعرف أولاً بأن إبليس عدو، ثم علينا ثانياً أن نتَّخذه عدواً، فالمعرفةُ والموقفُ متلازمان، وكما لا يمكن اتخاذ الموقف مع الجهل بالواقع، لا تكفي المعرفة إن لم يصاحبها موقفٌ وأداء. قال تعالى: "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ"(11)، فإذا اتخذناه عدواً أعددنا العدة اللازمة في عملية المواجهة، واستطعنا أن ننتصر عليه في مواقع عدة، والتفتنا إلى تقويم أخطائنا أو انحرافاتنا. فالتصويب على العدو أساس المعركة. 
 
لقراءة كامل المقال اضغط PDF

أضيف بتاريخ: 17/07/2015