بأقلامكم

خوذة ومحارب الساحة الجامعية إحدى الجبهات

خوذة ومحارب
الساحة الجامعية إحدى الجبهات

هبة بشير

حیث تُصنع الأمم وتتربى الأجيال، حيث يشتد عود الشباب ليصبح صلبًا، قاهرًا كل التحديات ومواجهًا كل 
الهجمات. هناك حيث تولد النبضات الأولى لهذا الجيل الواعي، ليكون الشاب الجامعي عونًا للمظلوم على الظالم، ورافعًا لأعمدة الوطن، ومؤسسًا للثقافات المتلاحقة. هناك بين الأبنية والجدران، على الأرصفة وفي الغرف، مع ضجيج الأقلام وهمسات الأوراق، يقبع الطالب الجامعي كالجندي المرابط، راصدًا مستقبله فيتعلم كيفية الإنقضاض عليه ليخضعه لسيطرته. وتطول لحظات الرصد لأيامٍ لشهورٍ بل ربما سنين،  حتى يخرج من ميدان حربه مدركًا ما يريد، رافعًا راية الشهادة على قمم النجاح الباهر في مختلف ميادين الحياة، إن في خدمة دينه، أو دنياه، أو مجتمعه، أو شخصه، فتنمو ثقافته ويرتقي علمه ليكونا رهن أمره في صناعة الأمم.

ولكن في الجهة الأخرى، هناك مرابطٌ أضاع خوذته في ليلة كان الشيطان قد أرسل أعوانه ليسرقوها بعد أن غفى الجندي عن الرصد، ثم أغلقوا منظاره وزرعوا الجواسيس بينه وبين إخوانه. وظل المرابط بعد تلك الليلة بلا خوذة أو منظار، تدخل أفكار الشيطان عقله دون استئذان لتُغذيه بالأخطاء فتُعميه. تصوِّر له أن العدو هو الصديق، والصديق كتلة من مصالحٍ أنانيةٍ، يُخيَّل إليه أن الظلمة مجرد نورٍ يسمح له أن يغفو وما القمر إلّا مستقبلًا يصعب الوصول إليه. يوهمه منظاره المغلق أن لا أفق للرصد بعد اليوم، فيغرق الجندي في عالمٍ من المجهول، فلا مستقبلٌ يُستشرق ولا أملٌ ينير في الأفق. عندها يتحول أفق الشابّ الجامعي إلى سماء مقفرة بلا نجوم وهو جندي بلا خوذة أو منظار.

هذا هو حال مجتمعنا وشبابنا الجامعيّ الذين ما إن يغفوا للحظة حتى يسلب منهم قوة الإدراك والتمييز بين الأفكار الصائبة والمشبوهة. يدخل هذا الشاب إلى الجامعة لتكون أُولى الخطوات في طريق مستقبلهم عبر تحصيل علمهم، ولكن، وعلى هذا الطريق، عليه أن يؤدي دوره في كل الصعد، فيكون التحصيل العلمي أولوية لا تلغي الأهداف الأخرى من الحفاظ على الدين ونشر الوعي واكتساب المعرفة والثقافة. ولكن لا تلبث هذه الأولوية أن تتحول إلى ثانوية بسبب الأفكار التي تدخل في رأس هذا الشاب لتغدو كل تصرفاته، ومن دون وعي، تصبُّ في خانة تشويه الدين ونشر الفساد. فنرى من يشرع الحرام لخدمة مصلحته كتشريع الإختلاط أو تقبل النظريات العلمية خاصة فيما يتعلق بالنظريات النفسية المخالفة بمعظمها للمعتقدات الدينية الإسلامية، فيتقبلها الشاب الجامعي بمجرد أنها صادرة عن دكتورٍ كلامه لا يناقش كما لو كان وحيًا منزل، إضافة إلى الجلوس في المقاهي مع أصوات الأغاني الصاخبة والضحكات المتعالية بين الشباب والفتيات.

وغيرها من المظاهر التي غزت ساحتنا الجامعية وباتت عرفًا يجب تقبله، وكل من يقف ضده أو يعارضه أو يفكر في مناقشته يتحول إلى هامشٍ يُطلق عليه اسم "معقد!!". ولكن السؤال الذي لا بد من طرحه هو من أين جاء هذا التشريع؟ من الذي روّج له ليتحول إلى عرف منتشر؟ ما الذي شجّع الشاب الجامعي للإنجرار وراء هذه الظواهر؟

إن السلوك الديني والإيماني يتعرض يوميًا للإهتزاز، إن كان في طريقة التفكير أو النقد أو طرح الموضوعات، ويعود ذلك إلى الغزو الثقافي الذي أصاب مجتمعنا متجهًا بشكل مباشر نحو الشاب الجامعي الذي يشكل نواة المجتمع وقلب الأمة النابض، ومن أحد مظاهر هذا الغزو هو الدخول في تفاصيل اللّباس للشباب والشابات إضافة إلى ان اللّباس بات معيارًا جديدًا في تحديد الدين والمذهب ودرجة الإلتزام حتى قد يكون أحد الحدود الذي يجب التوقف عندها أثناء البحث عن عمل. 
أما في شكل اللّباس، فقد عادت أيام الجاهلية لتظهر من جديد كأن الإسلام لم يكن ليزيد الإسلام رفعةً بإضافة ثوب الستر والعفاف على فتياته. فأصبحت الفتاة الجامعية أبعد عما يكون من الحشمة والستر، فظاهرة خلع الحجاب تزداد بنسبة أخت من ضمن خمسين ناهيك عن المحجبات اللّواتي هنّ أبعد الناس عنه فقد بات الحجاب وسيلة عرضٍ لمفاتن الوجه، كالحجاب الذي يزداد لمعانًا في ضوء الشمس أو تلك الهضبة التي تصنع تحت الحجاب. والملابس تزداد قصرًا أو ضيقًا، ونحن هنا بصدد المحجبات وليس الغير محجبات، فهؤلاء قد اختاروا علنًا عدم الإلتزام بالحجاب أما أولئك فاخترنه بكامل إرادتهن.

هذا من ناحية ارتداء الحجاب، ولكن الملفت في عصرنا الحالي هم أولئك الفتيات المرتديات للباس الطهارة الكامل، لباس السيدة فاطمة (ع) وهو العباءة. هؤلاء الأخوات اللواتي يشكلن، بعضهن إن صح التعبير، النموذج السيء المقتدى به. قفد صرن يرتدين العباءة مع حذاء ومحفظة بلونين مماثلين مغايرين للأسود أو مع حذاء هادرٍ أثناء المشي مع ارتفاعٍ لا بأس به كما لو كنّ يردن أن يرين ما فوق الغيوم.

هذا بعض ما يشوه إسلامنا ولكن ما يحير العقل والأذهان هو، ما الذي أوصل فتياتنا إلى هنا. وجعلهنَّ يفهمنًّ الحجاب فهمًا خاطئًا، بل وفي أكثر الأحيان يشوهنه بأبشع الطرق؟
ألا يدركن أن ارتداء الحجاب هو من أقدس التشريعات التي فرضها الله على النساء. إضافة إلى أن الإنسان كلما خفف من كمية الثياب عنه كان أقرب إلى تلك المخلوقات التي تجردت من الإدراك والعقل. فما الذي أعمى عقولنا عن هذه الحقيقة، وما الذي غيّب وعينا عن مثل هذه الظواهر الشاذة عن مجتمعنا؟ نعم ، أنه الغزو الثقافي الذي دخل العقول المحجوبة عن حقيقة الخلق.

 إن الغزو الثقافي المتمثل بالبرامج التلفزيونية التي تنادي بحرية المرأة من كل القيود لا سيما الدينية منها،   والمسلسلات التي تصور المرأة شبه عارية دون أي لبس في ذلك، بل وزيادة عليه تُصور هذه الأفلام أن كمال المرأة يكمن في جمالها الخارجي وجمالها يتجلى في التزين والتخفيف من ثقل الثياب عنها. وتزيد مواقع التواصل الإجتماعي من تشريع هذه الظاهرة مما جعل نشر صور المحجبات بوضعيات مختلفة من الأمور العادية بل وباتت تدل على الإنفتاح. فباتت الأخوات يردن أن يرين الآخرين أن الإسلام غير منغلق، ولكن بأي أسلوب؟! عبر إظهار مفاتنهن قدر ما استطعن إن كان بالصور المباشرة للوجه المليء بمساحيق التجميل أو التركيز على جزء من وجهها أو حتى تصوير ظهورهن في بعض الأحيان.

أين خوذة المحارب؟! أين منظاره من هؤلاء الذين يحيطون به؟ مَن عدوه أين صديقه؟ وما سر الأوهام التي تملأ كيانه؟ ما هو المستقبل؟ كيف السبيل إليه؟ متى يشرق نور الأمل؟ 
مظاهرات من أسئلة لا تنتهي في عقل من غرته الثورة التي يترأسها الشيطان. فبات ما عجز عنه بقوة السلاح، يسيرًا في حرب العقول. هذه هي إحدى تجليات الحرب الناعمة التي تسحبنا برفق إلى أحضان المعصية والجهل ظنًّا منا أنه مبلغ الكمال.
ما عجزت عنه آلات الحرب، نجحت فيه علبة صغيرة تمثلت بالتلفاز وعالم إفتراضي تمثل بمواقع التواصل الإجتماعي.
فأين نحن من كل هذا؟ هل ستُدك حصوننا يومًا لنجد خوذتنا لفها الضياع ونحن في هاوية النعومة؟!


أضيف بتاريخ: 03/09/2015