خطاب الامين العام

كلمة سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) في الليلة الخامسة من محرم

كلمة سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) في الليلة الخامسة من محرم
 18/10/2015
عظم الله أجركم-إن شاء الله-
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم النبيين أبا القاسم محمد ابن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله يا ابن رسول الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك عليكم مني جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.
السادة العلماء، الإخوة والأخوات السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.
قلنا أن الحسين (عليه السلام) في سنة 60 للهجرة، وأمام المستجد بعد وفاة معاوية، وفرض يزيد أميراً للمسلمين وحاكماً على الأمة الإسلامية كلها، كان أمام خيارات صعبة. تشخيص الحسين (عليه السلام) للمرحلة وللحالة أن يزيد، تثبيت يزيد في السلطة، وتكريسه، وإعطائه الشرعية، وتمكينه من التسلّط على رقاب المسلمين يشكّل خطراً على الإسلام فهو ليس كأيّ حاكم ظالم، وقد ذكرت في الخطاب الأخير، قد يكون هناك حاكم ظالم لا يحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى ولكنه لا يشنّ حرباً على الإسلام بل كل ما يريده في هذه الدنيا أن يحكم، أن يكون أميراً، حاكماً، سلطاناً ولكن هو لا يشنّ حرباً على الإسلام.
سأعطي مثلاً للذي يشنّ حرباً على الإسلام، سأعطي مثلاً من بلد شيعي وليس سنّي. مثلاً، عندما كان الشاه رضا بهلوي في إيران، في القرن الماضي، والذي أتى به الإنكليز ليحكم إيران، هو أتى ومنع الحجاب في إيران، منع النساء من لبس الحجاب، هذه حرب على الإسلام. منع علماء الدين من أن يلبسوا زيّ علماء الدين. شنّ حرباً شعواء على الحوزات العلمية لأنه يريد تعطيل هذه الحوزات. كان يريد تغريب المجتمع بالكامل وإبعاد المجتمع الإيراني عن كل ما يمت للإسلام بصلة حتى في المسجد، حتى في الأحوال الشخصية. هذا الحاكم، نسميه، أنه يشكّل تهديداً للإسلام ويشنّ حرباً على الإسلام.
أحياناً، الشخص -كما ذكرت في المرة الماضية- يريد فقط أن يحكم  فالناس، كيف يتزوجون، كيف يتطلقون، كيف يعيشون، يصلون، لا يصلون، يدرسون الدين أو لا يدرسون الدين، الإسلام محترم، الإسلام غير محترم؛ فهو في هذا الموضوع لا يعنيه شيئاً. هذا مشكلته من نوع آخر، ولكن لا تستطيع أن تصنّفه وتقول هذا يشكّل تهديداً للإسلام ولقيم الإسلام ولبقاء الإسلام. الفرق بين الاثنين يرتّب مسؤوليات مختلفة. في الموضوع الثاني، تصبح المواجهة أو الرفض أو التعايش أو السكوت له شروط وعناصر وعوامل مختلفة تؤخذ بعين الاعتبار. أمّا في المواجهة مع الأول المسألة تصبح مختلفة؛ تسقط الكثير من الشروط، لأن الحفاظ على الإسلام والدفاع عن الإسلام وعن قيم الإسلام تصبح من أوجب الواجبات ولو اقتضى ذلك أن يُقتل في سبيله إمام المسلمين وحفيد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ إذاً، الموضوعين مختلفين.
الحسين (عليه السلام) كان لديه خيارين، إمّا أن يبايع أو يرفض البيعة، ورفض البيعة يعني المواجهة مع يزيد.
الآن، هنا كل الذي سأتكلم به تاريخ. بالتأكيد سبق أن مررتم به، وممكن وربما يكون لدى بعض الحضور غير جديد ولدى بعض الحضور جديد تسمعونه في الليالي المختلفة. أنا سأضمه كله في قالب واحد وفي مشهد واحد وفي سياق واحد لآخذ بعدها العبرة التي تعنينا في مرحلتنا المعاصرة.
(الإمام (عليه السلام)، وله مكانته العظيمة في الأمّة) في ذاك الوقت. في سنة 60 للهجرة معظم الصف الأول، أي من الصحابة، -أغلبهم استشهدوا أو توفوا ورحلوا عن الدنيا- والصف الثاني؛ -هو الذي كان موجوداً- من أبناء المهاجرين والأنصار وأبناء السابقين الأوائل وبناتهم، هذه الشخصيات التي كانت تحتل الصفوف الأولى في الأمّة.
الحسين (عليه السلام)، كان أبرز شخصية في الأمّة في سنة 60 للهجرة. كانت هناك شخصيات موجودة معروفين يسمونهم العبادلة – كعبد الله بن عباس، عبد الله بن عمر، عبد الله بن الزبير، عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.  هذا النوع من الشخصيات كان موجوداً –فضلاً عن محمد ابن الحنفية-  لكن لا نقاش حتى بين هؤلاء، أن الذي له الوجاهة والتقدّم والاحترام الكبير لشخصه ولمكانته ومكانه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان الحسين (عليه السلام).
شخص بهذه المكانة، له ناسه وله أهل بيته، وموجود في المدينة، وبيته مفتوح ويستقبل الناس، ويعيش مع الناس، ويُستشار ويُسأل، ومحترم في الأمة، كان بإمكانه مبايعة يزيد، ويحفظ مكانته ويبقى في المدينة وبيته مفتوح، والناس كلها تأتي بخدمته، وقد يحصل على موقع متقدّم أيضاً في السلطة الجديدة، ويُستشار في بعض الأمور، وتُردّ إليه بعض الأمور، ويستطيع الوساطة لمعالجة بعض الأمور، وتجبى إليه الأموال، وتُنظم فيه القصائد حتى بطلب من السلطة لأنه يكون قد بايع وانتهى، ويبقى له أولاده وأحفاده وعائلته وأخواته وأصحابه، ولا يُضام ولا يلحق به أذى، كان بإمكانه فعل ذلك. لكن الحسين (عليه السلام) لم يفعل ذلك. مثلنا نحن اليوم عندما يكون لدينا خيارات أو بعض الناس الذين لديهم خيارات؛ أنه يا أخي أنا لا أكترث لهذه القصة كلها بل أجلس بين أولادي وأخوتي وعائلتي، بيتي، عملي، وبعدها الله يدبّر. الحسين (عليه السلام) اتخذ الخيار الثاني. لماذا؟ - لما بدأت به في الكلام – أن الإمام (عليه السلام) كان تشخيصه أن مبايعة يزيد والسكوت على يزيد هو خطر على الإسلام الذي جاء به جده محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي ضحّى لأجله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته وصحابته، وقدّموا في سبيل ذلك آلاف الشهداء، وتحمّلوا آلام ومعاناة وعذابات. فإذا قُدِّر لهذا الرجل أن يحكم المسلمين وتُثنى له الوسادة فهذا خطر على الإسلام، هنا أصبح الموضوع مختلف. لا يستطيع الحسين (عليه السلام) أن يختار أن يجلس في بيته ويبايع ويسكت وكل شيء على ما يرام ويعيش حياته الطبيعية. وهو الذي كان يقول: وعلى الإسلام السلام إذْ بُليت الأمّة بمثل يزيد. وكان تشخيصه واضحاً. فالإمام (عليه السلام) اتخذ الخيار الثاني، وتحمل كلّ تبعات الخيار الثاني.
الآن، سنتكلم عن التبعات، لنرى أسوتنا وقدوتنا وإمامنا عندما يتطلّب الموقف التضحية وتحمّل الأعباء وتحمّل المسؤولية إلى أيّ حد تصل به الأمور.
أولاً، الإمام (عليه السلام) منذ اللحظة الأولى التي اتخذ فيها قرار رفض البيعة ليزيد، وضع نفسه في دائرة القتل، والتهديد الأمني، والخطر خطر التصفية الجسدية.. سنتحدث عنهم في الأدبيات المعاصرة. ولذلك عندما ذهب إلى قصر الوالي في المدينة -وكان يعلم بما سيُبلّغ- فقام بكل إجراءاته واحتياطاته مع إخواته ومع أصحابه: إذا دخلت وصار كيت وكيت؛ - تسمعون هذا في السيرة الحسينية. وحتى عندما ردّ على الوالي الأموي في المدينة ورفض بيعة يزيد وقال له: يزيد رجل كذا وكذا ومثلي لا يبايع مثله، وأصرّ الوالي والإمام الحسين (عليه السلام) رفض وقال: أُصبح وتصبحون. مروان بن الحكم موجود، قال للوالي وبحضور الحسين (عليه السلام): اقتله ولا تسمح له أن يخرج. لمن؟ للحسين ابن بنت النبي كانت الجرأة إلى هذا المستوى، اقتله ولا تسمح له أن يخرج. لكن الوالي كانت لديه وجهة نظر مختلفة وخرج الحسين (عليه السلام).
إذاً، منذ اللحظة الأولى، أصبح الحسين (عليه السلام) – كما نقول الآن – غادر منطقة الأمان وأصبح في دائرة التهديد والتصفية الجسدية. وعلى طول الطريق كان من الممكن أن يتعرّض لهذا. وحتى في مكّة، في الحرم الآمن، في مكّة ليس فقط في الحرم الآمن بل في بيت الله الحرام، بل في جوار الكعبة أرسل يزيد من الشام عشرات الشياطين وأمرهم بإخفاء أسلحتهم تحت ثيابهم وأن يقتلوا الحسين (عليه السلام) ولو وجدوه معلّقاً بأستار الكعبة. إذاً، هذا أول التبعات، أن الإمام (عليه السلام) أصبح في دائرة التهديد الجسدي وخطر التصفية وصولاً إلى كربلاء. 
ثانياً، الهجرة من الوطن، من البلد الذي أحبّ المدينة المنورة، مدينة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هي الوطن الأصلي للحسين (عليه السلام) بحسب الموازين الشرعية والاجتماعية والعرفية. فالحسين (عليه السلام) وُلد في المدينة المنورة. وعاش حياته كلها، حياته وشبابه في المدينة المنورة. غاب عنها فقط تلك السنوات القليلة - سنتين أو ثلاث أو أكثر بقليل – عندما خرج مع والده أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الكوفة وبقي في الكوفة إلى صلح الحسن (عليه السلام) مع معاوية، وبعد الصلح عاد وأمضى بقية عمره الشريف والمبارك في مدينة جدّه. المدينة بالنسبة للحسين (عليه السلام) هي مدينة جدّه وأبيه وأمه وأخيه وذكريات هؤلاء الكبار الأطهار، وهو هناك يعيش في جوار قبر جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم). هو يغادر موطنه الأصلي ووطن إقامته ويجمع عائلته ومن معه وأمواله – وأنني أظن أنه ترك فقط الحيطان والأثاث. وأثاث المنازل في ذاك الزمن كان كله متواضعاً – جمع الكل وخرج.
إذاً، التبعة الثانية هي الهجرة، الغربة، البعد عن الوطن، البعد عن الأهل والجيران والأحبّة الذين عاش معهم عشرات السنين.
ثالثاً – ما زلنا نكمل بالتبعات: - تعريض عائلته – زوجاته، أولاده، بناته، إخوته، أبناء إخوته، ليس فقط أولاده بل أولاد الحسن (عليه السلام) أيضاً، في رعايته وكفالته ومن معه تعريض للخطر طول الطريق. من حين خروجه من المدينة إلى مكة إلى الكوفة على طول الطريق، كان من الممكن أن تتمّ مهاجمة هذه القافلة المتواضعة، القليلة العدد، وقتل كل من فيها من رجال ونساء وأطفال ونهب الأموال. هذا الخطر كان محدقاً منذ اللحظة الأولى التي خرج فيها الحسين (عليه السلام) من المدينة بمعنى أنه على طول الطريق يمكن لنا أن نفترض عند النساء، عند الأطفال، عند العديد من الأصحاب مشاعر القلق، مشاعر الخوف، مشاعر الحذر والريبة إلى أن انتهى الأمر في كربلاء.
رابعاً، خذلان الناس، هذا من الآلام والمعاناة والتضحيات، الآلام النفسية الكبيرة والخطيرة التي عاشها الحسين (عليه السلام) – مثلما نحن اليوم، كل ما سأتحدث به سنفترضه تطبيقياً عندنا -.
كما أنك تشاهد اليوم أن الإسلام يُعتدى عليه، حرمات الإسلام، مقدسات الإسلام، ترى الاعتداء على الناس، الناس يُقتلون، الناس يُذبحون، ومليار وأربعمائة مليون مسلم لا يحرّكون ساكناً. ألا تتألم؟ ألا تشعر بالقهر؟ هذا بحدود معلوماتنا؛ فكيف بإمام مسلمين وبذاك المستوى من الخطر والتهديد للإسلام.
هؤلاء الناس الذي خرج الإمام الحسين (عليه السلام) ليدافع عن دينهم، عن إسلامهم، عن آخرتهم، وأيضاً ليدافع عن دنياهم، وعن كرامتهم، وعن سلامتهم، وعن أمنهم وأمانهم، لأنّ الحسين (عليه السلام) كان يعرف (بأنه إذا صُلِّت) هذا القاتل، الفاجر يزيد بن معاوية ماذا قد يفعل بالمسلمين وقد فعل. ما فعله بالمدينة المنورة، موجود في كتب التاريخ ينقله كل مؤرخي السنّة والشيعة، من مسلّمات التاريخ، أن يزيد بن معاوية أرسل جيشه إلى المدينة، وحاصر المدينة، ثم دخلها وقتل الرجال، واعتديَ على النساء. في كتب التاريخ موجود أنه بعد تسعة أشهر من تلك الواقعة، ألف بنت من بنات المهاجرين والأنصار كنّ حوامل من الاغتصاب من قبل جيش يزيد وذبحوا الناس دخل حتى إلى مسجد النبي -بالخيول دخل إلى مسجد النبي- هتكوا المقدسات، هتكوا الحرمات، اعتدوا على النساء، اغتصبوا النساء، نساء من؟ نساء المهاجرين والأنصار. وقتلوا وذبحوا؛ حتى أنه يُقال أن الأرض كلها مُلئت بالدماء. وأخذوا البيعة من أهل المدينة، مدينة الرسول أبناء المهاجرين والأنصار. جدّدوا البيعة ليزيد ليس على إمرة المؤمنين – انظروا إلى كل كتب التاريخ، الطبري، الكامل، اليعقوبي، المسعودي.. كل كتب التاريخ تشهد بذلك – أخذوا البيعة من أهل المدينة على أنهم عبيد ليزيد بن معاوية. الحسين (عليه السلام) خرج كي لا يأتي هذا اليوم، ولكنهم خذلوه وتركوه.
خرج من المدينة. ولكن أين هم أهل المدينة. ساكتين، خانعين. حتى بعض النخب – عبد الله بن عباس له خصوصية، فليكن – ولكن أين بنو العباس، أين إخوته الذين كانوا يتولون الولايات في زمن خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام). أحدهم والي مكة، وآخر والي المدينة، وآخر والي اليمن، وعبد الله بن عباس والي البصرة.. أين هم؟ حتى بعض بني هاشم، أين كانوا؟ فضلاً عن بقية الناس.
على كل حال، وصل إلى مكة المكرمة، وأيام شعبان وشهر رمضان وإلى موسم الحج، التقى بالوفود الآتية من كل بلاد العالم الإسلامي، لأن موسم الحج هو موسم اللقاء السنوي الذي يلتقي فيه المسلمون من كل أنحاء العالم وطبعاً هنا تمّ تعطيل جزء كبير من إيجابياته بسبب إدارة الحرمين الشريفين.
في كل الأحوال، التقى مع الوفود، التقى مع الناس، تفاوض معهم وشرح لهم – صحيح، منطقك صحيح، منطقك قوي - ولكن لا أحد منهم حاضر لتحمّل المسؤوليات، لا أحد حاضر للتضحية، ولا أحد حاضر لتحمل هذه التبعات، ولو من أجل الإسلام، من أجل القيم الإسلامية؛ من أجلكم ومن أجل كرامتكم، شرفكم، عرضكم، بقائكم، من أجل هذه الكعبة التي سوف يأتي يزيد مجدداً ليحاصرها ويقصفها، هذا هو الوضع الصعب الذي كان سائداً في ذاك الوقت؛ أن حالة الأمة العامة كانت حالة خنوع، سكوت، خضوع ويأس وإحباط، ولكن يبدو أنها كانت بحاجة إلى دم بمستوى دم الحسين (عليه السلام) ليهزّها ويحرّكها.
(أحد أسباب) عندما يأتي سؤال، عادةً، لماذا الإمام ذهب إلى الكوفة؟ ولماذا لم يذهب إلى البصرة؟ لماذا لم يبق في المدينة؟ ولماذا لم يبق بمكّة؟ لماذا لم يذهب إلى اليمن؟ هذه من حواضر المسلمين الكبرى. لماذا لم يذهب إلى أي مكان آخر إلا إلى الكوفة؟ طبعاً هذا له بحث طويل ولكن من أهم الأسباب، أنه اتصل بالجميع، وتكلم مع الجميع، وبعث رسائل للجميع ومع هذا لم يلقَ جواباً لم يقل له أحد: تفضل، نحن معك ننصرك، نبايعك، نقف إلى جانبك، إلا من الكوفة. هذه أحد الأسباب. والإمام (عليه السلام) لا يستطيع أن يفرض نفسه على أحد، لا على أهل المدينة الساكتين الخانعين، ولا على أهل مكة ولا على أهل البصرة ولا على أيّ حاضرة من حواضر المسلمين. نعم، الكوفة وحدها هي التي أرسلت له بعشرات الآلاف أو بمئات وآلاف الرسائل التي تعبر عن رغبة عشرات الآلاف وآخرها كان: "أنْ أقدم علينا يا بن بنت رسول الله فإن الكوفة لك جندٌ مجنّدة" ولذلك قامت الحجّة هنا. الحسين (عليه السلام) يمضي إلى الكوفة مع كل معرفته بالأخطار والاحتمالات والظروف، لأنّ الكوفة هي الوحيدة التي أعلنت نصرتها وأبدت استعدادها للوقوف معه في هذه المسؤولية التاريخية العظيمة.
فإذاً هذا كله مؤلم. هذا الخذلان هذا السكوت، هذا الخضوع، هذا يضغط على أعصاب وعلى قلب وعلى عواطف الإمام الحسين (عليه السلام).
خامساً، الغدر والخيانة، والتخلي عن العهود والبيعة. في الأساس الذين خذلوه وتركوه، وأصلاً لم يلتحقوا به لا نلومهم لكن الذين بايعوه والذين التحقوا به ومشوا في قافلته. ساروا معه من مكّة باتجاه العراق باعتقاد أن الكوفة – طبعاً الكوفة كانت مدينة مهمة جداً في التاريخ الإسلامي في ذلك الوقت - لم تكن فقط المدينة فمن يمسك بالكوفة بمسك بجزء كبير من العراق وهذا يعني أن الإمام الحسين (عليه السلام) ذاهب إلى الكوفة ليكون لديه سلطة وبالتالي لديه مناصب يوزعها، أموال ينفقها، وسلطان يمارسه وما شاكل.. فالتحق به كثيرون. عندما جاء النبأ بأن مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه) قد استشهد، وأن أهل الكوفة قد نكثوا بيعتهم للحسين (عليه السلام). فالحسين (عليه السلام) – وهذا نمط الإسلام وهو صريح مع الناس، لم يخدعهم ولم يغشهم - قام وأخبر الناس وقال لهم، أيها الناس أنتم سرتم معي وبنائكم أننا إلى الكوفة ولكن اليوم وصلنا خبر بأنه حدث كيت وكيت وكيت -أن مسلم بن عقيل وهاني بن عروة قد استشهدا وهؤلاء الذين بايعونا قد نقضوا بيعتنا- فأنتم أحرار فالذي يريد أن يبقى فليبقى والذي يريد الذهاب فليذهب. فمشى الأغلب، والأكثر، والحسين (عليه السلام) ينظر إليهم بحسرة، يتحسّر على آخرتهم، ويتحسّر على دنياهم.
وصولاً إلى كربلاء، عندما يقف في وجهك ويحاصرك ويقاتلك من أرسل إليك يبايعك ويطلب منك القدوم. أليس هذا أمر محزن جداً ومؤلم جداً. هذا الذي حصل مع الحسين (عليه السلام). وهو أخرج لهم الرسائل، أتى ومعه كل الرسائل. فتح الصناديق، يا فلان، يا فلان، يا فلان، بالاسم. وهم ينكرون ويجحدون، كاذبون.
سادساً، ما كان يعيش في محيط الحسين (عليه السلام) -في المدينة، في مكة، وعلى الطريق وفي داخل الكوفة- أيضاً من تخذيل وتثبيط للعزائم. ليس فقط كانت الناس في حالة سكوت، بل إذا كان من أحد لديه نية في التجاوب ونية للتحرك والاستجابة، كانت تأتي النخب – النخب العلمية والثقافية والاجتماعية والعشائرية والسياسية – وتثبط الناس عن نصرة الحسين (عليه السلام). حتى كانت الزوجة تأتي إلى زوجها، والأم إلى ابنها، والأب إلى ولده، وزعيم العشيرة إلى عشيرته، وأصبح شراء الذمم عجيب غريب في ذاك الزمن – شراء الذمم شيء قديم – تم شراء الذمم وشراء مفاتيح الناس حتى أن البعض من الناس – (على العجالة) بدواً، (للوهلة الأولى) - كان لديهم الرغبة والاعتقاد بنصرة الحسين (عليه السلام) ولكن أثّرت عليهم أجواء التخذيل والتثبيط التي مارسها الكثيرون في هذه الحواضر وصولاً إلى الكوفة. هذا كله كان تحت مرأى ومسمع أبا عبد الله الحسين (عليه السلام).
وصلنا إلى كربلاء. ما عاناه الحسين (عليه السلام) في أرض كربلاء. هنا ندخل على التضحية في عناوينها العليا والأبرز والمباشرة.
1) حصار مطبق بلا أي منفذ: انعدام وصول المدد أو المساعدة أو الطعام أو الشراب أو أي شيء كون الحصار محكم جداً.
2) منعه من الماء. منع الماء عنه وعن عياله ثلاثة أيام.
تصوروا إخواني وأخواتي، أنكم أنتم وعيالكم وأطفالهم في بلد ما، في موقعة ما ومحاصرين ثلاثة أيام بلا ماء. ماذا يفعل العطش بالإنسان؟ فالإنسان لا يتحمل العطش لساعات. ثلاثة أيام من العطش والماء يجري في جوارهم في نهر الفرات. ويشرب منه من يشرب. ويُحرم منه ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيد شباب أهل الجنة.
3) المحاولات المتكررة حتى في الأيام الأولى لحرق الخيام وفيها النساء والأطفال، وما يتركه هذا من ذعر وخوف وهلع.
4) الإهانات والشتائم والكلام القبيح الذي كان يصدر من هؤلاء بحق الحسين (عليه السلام) ومَنْ مع الحسين (عليه السلام).
5) التهديد والوعيد الدائم، - نريد قتلكم، نريد ذبحكم، نريد سبيكم... أو تنزلون على طاعة وبيعة يزيد وابن زياد -.
وصولاً إلى القتال غير المتكافئ؛ 72 رجل في أحسن الأحوال. (بعض المحققين حقق بموضوع الأعداد) قد يصل العدد إلى 100 أو 120، ممكن أن تكون هذه الأرقام منطقية، ولكن المشهور والمتداول والمعروف 72، مع عدد قليل من النساء والأطفال. هؤلاء محاصرون من كل الجهات ويهاجَمون من كل الجهات. المقلّ يتحدث عن خمسة آلاف مقاتل، والبعض يصل بالعدد إلى 30 ألف والبعض يزيد على ذلك، لكن لنأخذ الأقل، والأكثر عند الحسين لنفترض 100 أو 120 مع أن العدد المعروف 72. والأقل في الجيش المقاتل 5 آلاف، يحاصرون هذه المجموعة الصغيرة القليلة العدد (وهو مضى إلى هذا القتال) وفي كل لحظة، يُعرض عليه أن يتراجع وأن يقبل البيعة ليزيد وأن يمدّ يده ليزيد ابن معاوية.
وصولاً إلى القتال والتضحيات الفعلية. في كربلاء، أيها الإخوة والأخوات، هنا أيضاً لنقيسها على أنفسنا ولنفترضها على أنفسنا، والذي يستطيع أن يفهم هذا الموضوع أكثر بالوجدان، الجميع يستطيع فهمه، ولكن الذي قد يعيشه أكثر بالوجدان هم عوائل الشهداء - عائلة الشهيد التي قدمت ابنها شهيداً، أو الزوجة التي فقدت زوجها شهيداً، أو الأب الذي قدم ولده شهيداً أو أكثر من شهيد – يستطيع أن يفهم بالوجدان، بالمشاعر، بالعواطف حالة أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء.
الحسين (عليه السلام) تقدّم أصحابه واحداً تلو الآخر، قُتلوا بين يديه، وهو يراهم بأمّ العين – لم يرسلوا له خبر أو برقية هو رآهم، لم يأت إليه وفد بالخبر –. ثم عائلته وأهله، وأوّلهم عليّ الأكبر. (أولاده)، قدّم جميع أولاده من عليّ الأكبر إلى الطفل الرضيع، السجّاد (عليه السلام) له خصوصية كان يعاني من المرض وفي حفظ الله سبحانه وتعالى لمهمته المعروفة. أولاد الحسن (عليه السلام)، هم أولاد الإمام الحسين (عليه السلام) في التربية والتنشئة، عاشوا مع الحسين (عليه السلام) ونشأوا في ظلّه، تقدّموا الواحد تلو الآخر. إخوة الحسين يتقدمون الواحد تلو الآخر. أبناء الإخوة. أبناء العمومة. وهو يراهم ويسمع نداءهم ويرى أجسادهم التي تقطّع. والإمام (عليه السلام) لم يتردّد ولم يتراجع. حتى الطفل الرضيع الذي قُتل بين يديه – تصوّر أن طفلاً بين يدي أحد ما، والطفل عطشان ويأتيه سهم يذبحه من الوريد إلى الوريد، تصوّر بأن هذا قد حدث مع طفلك -. كل هذا يجري في وقت واحد، بشكل مكثّف، في ساعات قليلة.
الحسين (عليه السلام) في ذاك الوقت، هو يعرف جيداً ما سيؤول إليه حال النساء بعد ساعات. ماذا سيجري على زينب وأخوات زينب والأيتام. هذا ألم كان يعيشه في تلك اللحظات. كلّ ما لديه في هذه الدنيا، هو كان موجود في كربلاء، ومضى وذهب. هذه الآلام اجتمعت عليه في ساعات قليلة. الشهداء، بكاء الثكالى والأيتام الذي كان يملأ مسامع أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، هذا كان يشكّل ضغط قوي وكبير عليه، إلى أن دخل هو في القتال المباشر.
في القتال المباشر، الإمام (عليه السلام)، قاتل بشدّة وأصيب بأعداد كبيرة من الجراح، – مئات الجراح والبعض يقول آلاف الجراح. في بعض الروايات، بأنه لم يبق مكانٌ في جسد الحسين (عليه السلام) إلا وأصيب بالجراح وتحمّل آلام الجراح وصولاً إلى آلام الذبح، إلى أن جاد بنفسه والجود بالنفس أقسى غاية الجود. ما بعده، الألم على زينب وعلى زين العابدين وعلى البقية. قطع رأس الحسين (عليه السلام). رضّ جسد الحسين (عليه السلام) بحوافر الخيول. بقاء جسد الحسين (عليه السلام) في الصحراء تحت أشعة الشمس لأيام. الحسين انتهى منه، أَنتقل إلى الجزء الثاني من المسيرة.
حتى هذه اللحظة ماذا تقول، تقول الحسين: تقدّم (عليه السلام) بالتضحية، كل شيء يستطيع أن يقدمه لله عزّ وجلّ وفي سبيل الله ودفاعاً عن دين الله عزّ وجلّ، قدّم.
هل هناك قولٌ أو فعلٌ أو مالٌ أو دمٌ أو عزيزٌ أو موقفٌ أو... يمكن أن يقدمه الحسين (عليه السلام) وبخل به، أبداً. قدّم كل شيء وفي قمّة الألم. ومن أجل أي شيء؟ رضا الله عزّ وجلّ وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله ودفاعاً عن دين الله وليس طلباً للدنيا والجاه ولو كان طالب دنيا أو جاه لكانت الخيارات الأخرى هي المتبعة. هو مشى في طريق الشهادة لرضا الله عزّ وجلّ. أداءً لتكليفه الإلهي الذي تعلق به والذي سيُسأل عنه يوم القيامة.
الحسين (عليه السلام) يقول: خُطَّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي - يتحدث عن شوقه إلى آبائه، إلى أجداده، إلى الذين مضوا – وما أولهني إلى أسلافي، اشتياق يعقوب إلى يوسف، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، كأني بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء أو نينوى إلى أن يقول: رضا الله رضانا أهل البيت – أي ما يرضاه الله لنا ما يختاره لنا ما يكلّفنا به ما يقرّبنا منه هو الذي نرضاه ليس فقط نسلّم ليس فقط نطيع ليس فقط نلتزم بل نرضى بما يرضاه الله سبحانه وتعالى – رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلاءه ويوفينا أجور الصابرين هذا الذي ذهب بالحسين (عليه السلام) إلى كربلاء.
يأتي الجزء الثاني، زينب وأخوات زينب، وزين العابدين (عليه السلام) وما جرى عليهم أيضاً.
أنا أقول لكم، لو كان تكليف النساء في كربلاء أن يقاتلن، لقاتلن ولقضين شهداء ولكن لم يكن هذا تكليفهن. الإمام الحسين (عليه السلام) منعهنّ من القتال. لهنّ مسؤولية أخرى وتكليف آخر.
حال زينب، وحال النساء في كربلاء. تصوّروا هذه النسوة، الأمهات والزوجات والأخوات، هنّ أيضاً شاهدن بأمّ العين - الأم عادةً، والزوجة، والبنت عاطفتها جياشة أكثر من الرجال – شهادة ومقتل أحبائهم، أبنائهم، أزواجهم وإخوانهم.
تحملوا كل الآلام التي حصلت بعد ذلك. الهجوم على المخيم – جماعة متوحشة وهجمت على المخيم – لتنهب ماله وما فيه. لم يرحموا حتى البنات الصغار – موجود هذا في التاريخ، حتى عندما كانوا يجدون بعض الحلي في آذان الفتيات، لم يكن لديه الوقت لفك الحليّ فيقطع لها أذنها – هؤلاء بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، هؤلاء بنات أمير المؤمنين (عليه السلام). هذا ما كان يجري وعلى مرأى وأمام النسوة.
الجلد، والضرب، والشتم، والإهانة، والسبي. وحين الوداع، الأجساد المطروحة والمقطعة وبلا رؤوس، مجموعة من النساء الأرامل والثكالى والأيتام بلا حامي وبلا كفيل بين يدي القتلة السفلة والمجرمين. والقافلة تسير ورؤوس الأحبة على الرماح – المأساة حاضرة في كل لحظة وفي كل دقيقة -  وهم تعمّدوا أن يرفعوا الرؤوس على الرماح أمام قافلة السبي لمزيد من إلحاق الألم والجراح بهذه العائلات الشريفة.
دخول الكوفة، واستعراض الوجوه في الكوفة، بكاء الضعفاء وشماتة الأعداء. هذه الكوفة التي كانت فيها زينب قبل سنوات كانت بنت الخليفة التي يطلب كل أهل الكوفة رضاها والقرب منها؛ زيارتها ولقائها.
مجريات الكوفة، مجريات المسير من الكوفة إلى دمشق وما جرى في الشام والآلام والأحزان. وجرأة البعض على أن يتملّك بنت الحسين ويأخذها أَمَةً له – كما يفعل الآن هؤلاء الدواعش – وخطاب زينب القوي الشديد بين يدي يزيد. وخطاب زين العابدين. وفي نهاية المطاف، العودة إلى المدينة بحدّ ذاته قصة ثانية؛ والتي تسمعونها عادة في السيرة الحسينية.
الآن، هذان الجزءان، في الجزء الأول مع الحسين (عليه السلام) حتى آخر لحظة، الحسين (عليه السلام) لم يتزلزل، لم يتزحزح، لم يتراجع مع أن الباب أمامه كان مفتوحاً. في البدء، عندما رأى العطش والجدية وأنهم مقتولون لا محالة؛ بايع؟ لم يبايع. عندما قُتل الأصحاب، ليحفظ إخوته وأبنائه وعائلته؛ بايع؟ لم يبايع. حتى لينجو بنفسه لم يبايع. والحسين (عليه السلام) مضى حتى آخر لحظة لأنه كان على بصيرة من أمره، كان على بيّنة من أمره، كان لديه وضوح شديد بتكليفه وبما يرضي ربه عزّ وجلّ.
وزينب (عليها السلام)، كل المصائب التي واجهتها وعاشتها وكل ما سمعت طوال الطريق، من شتائم، ومن إهانات، ومن تخذيل ومن أذى، لم يحدّ لا من عزم زينب ولا من إرادتها ولا من صلابتها، ولا من يقينها وبصيرتها، ورؤيتها وإيمانها. وقالت قولتها المشهورة بين يدي السلطان الجائر – أليس في الحديث المشهور والمعروف بين المسلمين سنّة وشيعة أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان جائر -، قالتها زينب بين يدي يزيد وفي الشام وفي دمشق، في قصره الأموي وبين زبانيته وحدّثته عن المستقبل: كد كيدك واسعى سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا. ولم تتراجع، ولم تهن، ولم تتزلزل.
هذه هي المدرسة – لقد جمعتهم كلهم في قالب واحد لأخذ النتيجة التالية – هذه هي مدرسة البصيرة، ومدرسة الإيمان واليقين، وأيضاً هي مدرسة الالتزام، هي مدرسة تحمّل المسؤولية وعدم التهرّب من المسؤولية، وهي مدرسة تحمّل التبعات المتوقفة على المسؤولية مهما كانت هذه التبعات عظيمة، هي مدرسة الوفاء لله ولرسوله ولدينه، هي مدرسة الثبات أياً تكن التهديدات والمخاطر والصعوبات التي تواجه الإنسان في الطريق وحجم التضحيات الجسيمة، فلا يتراجع، ولا يضعف، ولا يهن، ولا يتزلزل، لا في السلوك ولا في الأداء، ولا في الصوت ولا في الموقف المعلن، ولا في الميدان، ومدرسة تضحية. هذه المدرسة التي تَعلّمنا منها وتَعلّمت أجيال المسلمين، بعد ال61 للهجرة تعلّمت منها دروس التضحية، التضحية بكل شيء في سبيل الله وفي سبيل دين رسول الله، وملّة رسول الله وأمّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
هل يوجد شيء أكثر إلهاماً من هذه المدرسة، أكثر قدرة على التحريك والتثوير والاستنهاض. وهذا الذي شهدناه ونشهده على مدى قرون. واليوم، أيضاً، ما نعيشه هو من بركات هذه المدرسة في كل الأبعاد من بصيرة، من رؤية، من يقين، من إيمان، من وفاء، من ثبات، من تحمّل، من صبر، من استعداد للتضحية ومن تسليم لأمر الله ورضا بمشيئة الله وقضائه وقدره واختياره واصطفائه.
ألا تجدون هذا أيها الإخوة والأخوات في عوائل الشهداء؟ في الأمهات، في الآباء، في الزوجات، في الأبناء، في البنات، في الجرحى، في المجاهدين، في هذه البيئة الحاضنة، في هذا الخيار الحسيني الجهادي، العزيز والشريف والكريم.
من أين تعلّمنا؟ من أين تعلم آباؤنا وأمهاتنا وزوجاتنا وبناتنا وأبناؤنا وإخواننا وأخواتنا؟ كل هذه الكلمات التي نسمعها، عندما نخبرهم بشهادة عزيزهم، أو عندما يشيّعون شهيدهم، هذه هي المدرسة. هذا ليس كلام نظري، ليس كلام كُتب في الكتب، هذه حادثة، واقعة، حصلت في التاريخ وتجسّدت في التاريخ، ونُقلت لنا بالتواتر عبر الأجيال بشكل ملفت وغريب ودقيق أيضاً.
اليوم، أيها الإخوة والأخوات، نحن في نفس الموقع، عندما كنا نقاتل إسرائيل، نقاتلها كنا في نفس الموقع ونبقى نقاتلها وعندما استجدّ الآن هذا المشروع التكفيري الإرهابي الدموي التدميري التفتيتي، مشروع القتل والذبح والدمار والخراب والسبي. فلنذهب للتشخيص، هل نحن أمام جماعة ظالمة، جماعة معتدية، جماعة مجرمة، فقط، لا. نحن أمام جماعة تشكل خطراً على الإسلام - هنا ما كنت أتحدث عنه خصوصية 60 للهجرة هذا المشترك مع زمن الحسين (عليه السلام) – هذه الجماعة بما تقول وبما تعلن وبما تقدم وبما تمارس وبسلوكها وأفعالها وجرائمها ومجازرها تشكّل أكبر خطر تاريخي وأكبر خطر معاصر على الإسلام، على دين الإسلام، على دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، على القرآن الكريم، على سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). أنا سمعت من أحد كبار علماء السنّة وفقهائهم المعاصرين، ولا يجوز لي هنا أن أقول اسمه، كان يقول لي منذ سنوات: إذا كان هذا الذي تفعله طالبان وأمثال طالبان – وقتها كانت طالبان ولم تكن قد ظهرت داعش كي أكون دقيق بالنقل – إذا كان هذا هو الدين فأنا أول كافر بالدين. وهذا منطقي، هل يُعقل أن يكون هذا هو الدين؟ أيّ دين؟ هل يمكن أن يكون هذا دين سماوي؟ هل يعقل أن يكون هذا هو دين إلهي؟ هل يعقل أن يكون هذا دين نزل على قلب نبيّ أيّ نبيّ؟ فضلاً عن أن يكون هذا هو دين الإسلام وأنه نزل على قلب محمد ابن عبد الله سيد الرسل وخاتم الأنبياء؟! مستحيل.
لكن الذي يجري الآن هو الإساءة إلى هذا الدين؛ هذا الإسلام وهذا سيؤدي إلى أن لا يقبل أحد الإسلام في العالم بل سيؤدي إلى ارتداد المسلمين عن الإسلام، إذا كان هذا هو الإسلام.
لذلك المعركة اليوم، في بعدها الحقيقي والأعلى، كمعركة الحسين مع يزيد. هي معركة الدفاع عن الإسلام، عن قيم الإسلام، عن صورة الإسلام، عن تعاليم الإسلام، عن إشراقة الإسلام، وصفاءه ونقاءه، ونورانيته، وعقلانيته، وفطريته، وإلهيته، وعظمته، وعدالته هذه المعركة التي تخوضونها اليوم أنتم وكل من يشارك في هذه المعركة.
نعم، إلى جانب ذلك في الدرجة الثانية، هي دفاع عن المسلمين وعن الشعوب في المنطقة، وعن الكرامات، والأعراض، والنساء، والأموال والمقدّسات، لأنّه من غير المعلوم ماذا سيفعلون بالمقدّسات، غير معلوم. فقط إسرائيل هي خطر على المسجد الأقصى؟ من لديه ضمانة بأن داعش لن تهدم المسجد الأقصى؟ من لديه ضمانة بأن داعش لن تهدم الكعبة بهذا الفكر وبهذا العقل؟
إذاً، اليوم المعركة هي نفسها، تماماً، في بعدها العالي وفي بعدها الآخر وهذه مسؤوليتنا. أين نكون نحن؟ نستطيع أن نختار مثلما اختار الكثير من الناس في سنة 60 للهجرة، - خنوع، خضوع، سكوت، هدوء، وكل شخص يهتم بأهله وماله وعندما يأتيه الموت فليأتي. ولم يطل به الحال لا على أهل المدينة، (لأنه في السنة الثانية) ولا حتى على أهل الكوفة -، أو أن نحمل مسؤولية من أجل آخرتنا، من أجل ديننا ومن أجل دنيانا أيضاً ومن أجل كرامتنا ووجودنا.
نحن اخترنا أن نحمل المسؤوليات، ونحن اخترنا أن نحضر في الميادين منذ سنوات، ونحن نقدّم التضحيات الجسام على هذا الطريق. لقد شرحت لكم هذا الشرح لأقول لكم أيضاً من جملة نتائج الحديث، أن هذه المعركة تستحق التضحيات مهما غلت وبلغت، كما حصل في كربلاء.
في أحد الأيام قلت كلام في لقاء داخلي، تم تسريبه إلى الإعلام، بعدها تم تسريبه بشكل غير دقيق، وبعض المثبطين حاولوا أن يستفيدوا منه بشكل سيئ. لكن أنا أقول لكم بكل حقيقة، هذه المعركة تستحق كل شيء، أن يجود الإنسان فيها بكل شيء، بماله، بروحه، بنفسه، بأولاده، بأهله، بعياله لأنها معركة الدفاع عن الإسلام.
لو قُدِّر لهؤلاء أن يحكموا هذه المنطقة وأن يسيطروا عليها وأن يقيموا خلافتهم المزعومة سيكون هذا أكبر خطر على الإسلام كدين وقيم ورسالة، فضلاً أنه سيكون خطراً على المسلمين، وشعوب المنطقة مسلمين ومسيحين ومقدّسات.
ولذلك، نحن مضينا في هذه المعركة على بصيرة من أمرنا، لدينا يقين، لدينا إيمان، وهذا الذي نجده عند عوائل الشهداء، وبصدقْ (اليوم)، نعم أنتم الذين كنتم تقولون على مدى عشرات السنين ومئات السنين الأباء والأجداد والأجيال، كنتم تقولون: يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً، اليوم نحن معكم وفي معركتكم ونفوز فوزاً عظيماً. الأباء والأجداد والأجيال كانت دائماً تتمنى أن يأتي الزمن التي تصبح فيها أمام ميدان كميدان الحسين (عليه السلام) ومعركة كمعركة الحسين (عليه السلام) حتى يقفوا في المعركة وفي الميدان ليقولوا له بحق: لبيك يا حسين. وهذا الزمن قد جاء.
اليوم، أمهات الشهداء، أباء الشهداء، زوجات الشهداء، عوائل الشهداء، أبناء الشهداء وبنات الشهداء، يقدمن ويقدمون النموذج الراقي والمشرق والشريف والمتلألئ عن تلك العائلات التي صمدت وصبرت وضحت ووقفت مع الحسين (عليه السلام) في كربلاء.
طبعاً، نحن نواجه سيل من العوامل المشابهة في سنة 60 للهجرة، سيل من التثبيط والتخذيل – بأن ليس لكم علاقة، وأين أنتم ذاهبون، وماذا تفعلون (واحد. اثنان) نقاش بالجدوى، كما نوقشَ بالحسين (عليه السلام) بجدوى الذهاب إلى الكوفة نقاش بالجدوى: أن هذه المعركة التي دخلتموها ما الجدوى منها وما نفعها. كما ناقشوا بجدوى المقاومة ونفعها خلال عشرات السنين. ثالثاً، التوهين بالإنجازات والانتصارات والنتائج التي تحققت حتى الآن من صمود ومن ثبات. من أوضح النتائج أن دماء الشهداء وحضور المجاهدين في جبهات القتال، في كل الجبهات، وكل الذين يجاهدون ويقاتلون منعوا هذا المشروع من النجاح، منعوه من السيطرة، وهذا من أهم الإنجازات الملموسة. التوهين بالإنجازات. تكثير الإشاعات الكاذبة – عندما تفتحون مواقع الإنترنت والصحف والمجلات والمقالات والتحليلات تسمع وتقول: "خربانة بحزب الله" الخلافات شديدة داخل حزب الله حول الموقف من سوريا. التخلف عن الذهاب إلى الجبهات. حزب الله يعاني من الشباب وخاصة قصة الشاب الصغير في السن الذي استشهد في مخيم في الجنوب وقالوا بدأ الحزب بإرسال صغار السن. حالة من الخيبة والتشاؤم واليأس والإحباط تسود بيئة حزب الله وجمهور حزب الله نتيجة الخسائر في سوريا. وما أكثر السوالف والأكاذيب.
والليلة أريد أن أقول لهم وإن شاء الله سأعيدها ليلة العاشر ويوم العاشر: حزب الله وجمهوره وبيئته ومجاهدوه ومسؤولوه وعائلته وعوائل شهدائه وجرحاه وكلهم... صغيرهم وكبيرهم كما كانوا في مواجهة إسرائيل على قلب رجل واحد، هم في هذه المعركة على قلب رجل واحد، ولن يتخلّف منهم أحد. على المثبّطين والمخذّلين، المنافقين والكاذبين والذين يتقنون الكذب أن يموتوا بغيظهم وبخيبتهم وبيأسهم. والأيام والأسابيع والشهور والسنين ستشهد على هذه الحقيقة؛ ويوم العاشر من هذا العام أيضاً سيشهد على هذه الحقيقة أن الذين سيخرجون يوم العاشر ويقولون للحسين، لبيك يا حسين، سيقولونها لكل معارك هذه المقاومة الشريفة.
إن ما يقومون به هو تكبير حجم الخسائر والتضحيات: بعدّ الشهداء ونشر صور الشهداء، ويكثرون من أعداد الشهداء في أحد المرات كنت أمزح فقلت لهم أن الأخ لدينا عنده اسم حقيقي؛ مثلاً اليوم مثل الشهيد حسن الحاج اسمه حسن الحاج ويلقبونه بالحاج ماهر وأبو محمد الإقليم أي أصبح لديه ثلاثة أسماء وليس واحد، بينما هم يضربون الواحد بثلاثة، طبعاً نحن عندنا الواحد بيسوى ألف فمن هذه الجهة معهم حق –. تكبير حجم الخسائر، وأرقام خيالية تُنشر، من أجل المسّ بعزيمتنا وبجمهورنا.
ونحن نقول لهم في هذه الليلة، هذه المعركة لو استشهد فيها من استشهد – فلستمعوني جيداً – لو استشهد فيها من استشهد، وجُرح من جُرح، وضحى من ضحى، لن نتركها ولن نخلي ساحاتها حتى النصر أو الشهادة.
نحن سنواصل طريقنا الجهادي الحسيني حتى النهاية كإمامنا الحسين (عليه السلام)، وسيدتنا زينب (عليها السلام)، لن نتزلزل ولن نتراجع، وعلى بصيرة من أمرنا وسيخيب كل المراهنين على انكسار إرادتنا ووهن عزيمتنا وعندها وبعدها لكل حادث حديث.
السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله يا ابن رسول الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك عليكم مني جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.
والسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

أضيف بتاريخ: 06/11/2015