خطاب القائد

كلمة الإمام الخامنئي في لقائه القائمين على الانتخابات


كلمة الإمام الخامنئي في لقائه القائمين على الانتخابات


20/01/2016


بسم الله الرحمن الرحیم 
والحمد لله ربّ العالمین، والصلاة والسلام علی سیّدنا محمّد وآله الطاهرین.
قدمتم خير مقدم أيها الإخوة والأخوات الأعزاء! إنّ هذا الاجتماع الودّي والحميم والمتشکّل من الكادحين في قضيةٍ بالغة الأهمية، لهو اجتماع مبارك حقاً. سائلين الله جلّ وعلا أن ينظر إليكم فرداً فرداً نظرة لطف ورحمة، وأن يمنّ عليكم بتأييده وفضله في هذه المهمة الكبيرة التي عُهدت إليكم والتي ظهرت أيضاً إلى حدّ ما، في أقوال سماحة الشيخ جنتي النابعة من قلبه.

كما وأتقدم بالتهاني والتبريكات بمناسبة ولادة الإمام العسكري؛ والد وليّنا وإمامنا وسيّدنا وقائدنا (أرواحنا فداه). وأبارك أيضاً حلول شهر بهمن ؛ شهر الفخر، وشهر التحوّل العظيم في تاريخ الشعب الإيراني، وشهر الأحداث الكبرى. وجدير بنا أن نشعر بالفخر والاعتزاز تجاه هذا الشهر وما انطوى عليه من أحداث.

أودّ أن أتحدث قليلاً في شأن الانتخابات. حسناً، إن النقاط التي أدلى بها سماحة الشيخ جنتي حفظه الله تعالى وأدام الله وجوده وبركاته، وكذلك حضرة السيد رحماني فضلي، وزير الداخلية المحترم والمثابر، كانت بأسرها نقاطاً جيدة دقيقة وهامة، وأنا بدوري أستعرض جملة من النقاط في هذا المجال - وقد تحدثنا فيما مضى حول هذه المواضيع، وسوف نتعرّض لها في المستقبل أيضاً إن أعطانا الله عمراً، وسنحت لنا الفرصة - وسوف أتناول قليلاً قضية الاتفاق النووي الأخيرة إن بقي معنا وقت.

المنافسة السليمة فخرٌ لإيران
لنلتفت في قضية الانتخابات إلى أنها تمثل منافسة ومسابقة وطنية بين أبناء الشعب؛ إذا جرت هذه المسابقة بصورة جيدة وسليمة وقوية، سيعود الفخر للاتحاد أيّاً كان الفريق الفائز بين الفرق المختلفة؛ هذا هو واقع الأمر. حين تقدم الفرق الرياضية ألعاباً وعروضاً جيدة، أياً كان الفائز منها، سواء الفريق ألف، أو الفريق ب، أو الفريق ت، سيتباهى الاتحاد (الرياضي) ويفتخر بما قدّموه من مستويات عالية وسليمة في هذه اللعبة. وكذلك الحال في الانتخابات، فلو نزل الشعب الإيراني إلى الساحة بشكل مطلوب وبقوة وحزم وعزم، وملأ صناديق الاقتراع بأصواته وعزائمه، ستتباهى إيران، وستشعر الجمهورية الإسلامية بالفخر والاعتزاز، أياً كان الفائز، وأيًّا كان الخاسر. إذ لا يوجد فوز وخسارة للشعب في حقيقة الأمر، وهو فائز على كل حال. هذه هي النقطة الرئيسة في موضوع الانتخابات.

شروط المنافسة النزيهة
حسناً، ما هي المنافسة السليمة والمسابقة النزيهة؟ المنافسة السليمة هي أن يلعب الجميع بشكل جيد، ويتحركوا بشكل صحيح. والشرط الأول في ذلك كما ذكرنا، مشاركة الجميع وحضورهم، فليشارك الجميع. وفي خطابي السابق أيضاً قلتُ للجميع إنّ أولئك الذين قد تكون عندهم مشكلة مع نظام الجمهورية الإسلامية، ليس لديهم مشكلة [مؤاخذة] بالطبع تجاه أمن البلاد واقتدارها، لقد صان اليوم هذا النظام أمن البلد، وسارع في تقدمه، ومنح العزة لهذا الشعب، وهذه بالطبع أمورٌ لا يمكن إنكارها، وهي محبوبة لديهم، فلينزلوا إلى هذه الساحة تحقيقاً لعزة إيران والإيرانيين، واستمراراً للأمن القومي، وضماناً لمسيرة التقدم التي انطلقت منذ بداية الثورة واستمرت حتى يومنا هذا من دون توقف والحمد لله؛ من أجل هذا يجب عليهم الحضور في هذا الميدان. وعلى الجميع النزول إلى هذه الساحة. علماً بأن الذي يخوض الميدان من منطلق نيل رضى الله وأداء التكليف، فإنه بالإضافة إلى هذه الخيرات، يكسب مغنما آخر في غاية العظمة، ألا وهو رضى الله. هذا هو الشرط الأول: على الجميع أن ينزلوا إلى هذه الساحة بحيوية ونشاط، وأقول لكم إنّهم سيحضرون في هذه الساحة. فإنّ هذا الشعب الذي طالما شاهدناه وخبرناه، وما أظهره من وعي وبصيرة، [معناه أن] سينزل شعبنا العزيز إلى هذا الميدان بفضل الله وإذنه وتوفيقه ومشيئته.

البعض قد أعدّ كميناً لإضعاف نظام الجمهورية الإسلامية وابتزازه من خلال إعراض الناس عن المشاركة في الانتخابات، أو مقاطعة الانتخابات، أو التقليل من شأن الانتخابات - وهذا ما سوف أشير إليه -. لقد أثبت الشعب كفاءته وجدارته أمام هؤلاء المترصدين الأشرار، وسوف يثبتها اليوم أيضاً. هذا هو حديثي الأول والأهم في كل مراحل الانتخابات وفي هذه المرحلة أيضاً: المشاركة الحيوية لكل أبناء الشعب.

القضية الثانية الكفيلة بنزاهة الانتخابات وضمان سلامة هذه المنافسة، هي أن يخوض الناس هذا المعترك عن فكر وبصيرة، وأن ينتخبوا من هو مؤهل وصالح، وأن يختاروا ذلك الذي إذا تولى منصباً - أياً كان هذا المنصب؛ سواء منصباً في مجلس الخبراء أو نائباً في مجلس الشورى الإسلامي، أو منصب رئاسة الجمهورية - أن يجعل نفسه درعاً واقيةً لمواجهة مشاكل البلاد، ويكون متفانياً في إسداء الخدمات والنظر إلى مصالح الناس ومنافعهم العامة، وأن لا يبيع البلد للعدو، وأن لا يسحق مصالح البلاد مجاراةً لهذا وذاك؛ هذا من يجب انتخابه، وهذا هو الانتخاب الجيد.

ليس لمن يرفض النظام دخول المجلس!
أجل، لقد قلتُ فيما مضى وأقولها ثانية؛ أن يشارك في هذه الانتخابات حتى أولئك الذين لا يؤيدون النظام، ولكن لا يعني هذا أن يتم إدخال من لا يعترف بالنظام إلى المجلس! وهذا ما لا وجود له في أي مكان في العالم؛ أن يقول من لا يؤيد النظام حين مطالبته بالمشاركة: إذاً، اسمحوا لي أن أصوّت لمن لا يؤيّد النظام أيضاً، فهذا لا معنى له. في كل بلاد العالم لا يسمح لمن يرفض أساس النظام أن يتبوّأ موقعاً في مراكز اتخاذ القرار. وحتى إنهم في بعض الأماكن يُبعدون الأشخاص لأدنى تهمة. ففي أمريكا التي تعرّف نفسها اليوم بأنها رمز للحرية - وبعض السُذَّج أيضاً يعتقدون بهذا ويروّجون له- وفي تلك الفترة التي كان التيار اليساري مطروحاً [قوياً] في العالم - واليوم لا يتم طرحه بالطبع - كانوا يرفضون رفضاً باتّاً كل من يجدون في كلامه أدنى ميول ضعيفة للأفكار الاقتصادية الاشتراكية مثلاً. فإنه حتى لو لم يكن شيوعياً، ولا يؤمن بالشيوعية، ولا بالاشتراكية، ولكنه ما إن يبدي ميلاً بسيطاً لهذه النزعة في القضايا الاقتصادية، يرفضونه ويستبعدونه، وذلك في البلد الذي يتشدقون فيه بالحرية والديمقراطية وما إلى ذلك، ويعترضون علينا متسائلين: لماذا يوجد لديكم مجلس صيانة الدستور؟ يا عديمي الحياء! 

بناءً على هذا، فإن التزامنا بأن يدخل إلى المجلس من يؤيد النظام، ويسعى لتحقيق مصالح البلد وقيمه الرئيسة، ويعمل على تعزيزها ومتابعتها، يمثل حقاً من الحقوق العامة. وهذا ما يترك أثره في الانتخابات وفي نزاهتها أيضاً.
وثمة نقاط أخرى أيضاً: فعلى الجميع الخضوع للقانون. ولقد سُررتُ كثيراً حينما رأيت السادة المحترمين - سماحة الشيخ جنتي (حفظه الله) وحضرة السيد رحماني فضلي - يشددون على النزعة القانونية، وهذه هي وصيّتنا المستمرة. وإنّي دوماً أؤكّد على القائمين المعنيين بقضية الانتخابات وأقول لهم أن يضعوا أقدامهم على موضع راسخ، ألا وهو الموضع القانوني، وأن يلتزموا بـ"مُرّ القانون".

كما ولا ينبغي توجيه الإهانة للمؤسسات القانونية؛ وهذا ما يجب عليكم الالتفات إليه. فالمؤسسة القانونية تتولى بعض المهام والوظائف، ولا يجوز أن نهينها أو نفتري عليها؛ فهي جهة قانونية، وهذا لا يعني أنها لا تُخطئ، فكل جهة قانونية حالها كحال كل الناس، وكحالي أنا الحقير المليء بالخطأ والتقصير، قد تقع في الخطأ والاشتباه، ولكن لا يعتبر هذا مسوّغاً لأن نهينها ونستصغرها أمام الرأي العام في إعلامنا وفي أقوالنا؛ كلا، فلو فُتح هذا الباب لسادت الفوضى والهرج والمرج. حسناً، حضرتك لديك هذا الرأي والمزاج، تقلل من احترام الجهة القانونية الفلانية، وآخرُ لديه ذوق ورأي آخر، ويهين الجهة القانونية التي تنتمي إليها؛ فهل هذا أمرٌ صحيح وجيد؟ لا ينبغي فتح هذا الباب.

ولا يجوز كذلك بث الاضطراب والتشويش في أفكار الرأي العام، والقول بأنه لا ندري ماذا سيحدث، وإلى ماذا ستؤول الأمور؟ فهذا عملٌ غلط وسيئ جداً، ولقد نبّهتُ إلى ذلك فيما مضى. فدعوا الناس يشاركون في الانتخابات بكل شوق ولهفة وحيوية ونشاط كما هو الحق والواقع. وإن إرباك الرأي العام عملٌ خاطئٌ جداً، ولا يجوز تثبيط عزائم الناس وضخّ روح التشاؤم تجاه الانتخابات.

واجبات المرشّح:
على المرشّحين للانتخابات أن لا يهين بعضهم بعضاً. حسناً؛ حضرتك قد ترشّحت للانتخابات، وتعتقد أنك إنسان صالح ومميز؛ جيد جداً، تحدّث عن نفسك ما شئت، ولكن لا توجّه الإساءة والإهانة إلى من ينافسك في هذا  المضمار، ولا تتّهمه، ولا تغتابه أيضاً. فالتهمة والافتراء هي أن تنسب إليه نسبةً لا واقع لها، وأما الغيبة فهي أن تنسب إليه ما هو واقع، فلا يجوز لك حتى الاغتياب. ومن هنا، فإنّ هذا واجب ومعيار لنزاهة الانتخابات. فعلى المرشّحين أن يبيّنوا للناس ما في وسعهم وطاقتهم وكفاءتهم، والناس بدورهم ينظرون، فإن رغبوا يصوّتون لهم، وإن لم يرغبوا لا يصوّتون. وبهذا تكون الانتخابات نزيهة سليمة.

وعلى المرشحين أن لا يَعِدوا وعوداً غير عملية؛ فإنّ بعض المرشحين يعدون الناس بأمور، يعلمون بأنفسهم أنها خارجة عن أيديهم. فإذا كنت لا تستطيع الوفاء بهذا الوعد، فلماذا تعد الناس إذاً؟ ولـِمَ تبعث الأمل في نفوس الناس على أمرٍ تعلم بأنه لا يمكن تطبيقه؟ بل ويعدون أحياناً وعوداً غير قانونية! قائلين بأننا سننجز هذا العمل، والحال أنهم على علمٍ بأن العمل هذا مخالف للقانون؛ سواء كان مخالفاً للدستور أو مخالفاً للقوانين العادية. فلا يعدوا بمثل هذه الوعود، ولا يطلقوا شعارات غير قانونية، وليتعاملوا مع الناس بصدق، فإنّ أبناء شعبنا بأسرهم يتلمّسون الصدق ويُدركونه. وحينما نكون غير صادقين في التعامل معهم، قد يزلّ البعض برهة من الزمن، ولكن سوف تنكشف الحقيقة بعد ذلك. فلا بد أن نعامل الناس معاملة صادقة، وأن نتحدث إليهم بصدق. وهذه من الآداب المؤكدة للانتخابات السليمة.


لا تتهموا الشباب الثوري بالتطرّف!
هناك عادة ظهرت لدى البعض، وهي أن يكرروا باستمرار على ألسنتهم قول: «متطرفون.. متطرفون..». أجل، فالتشدد والتساهل - الإفراط والتفريط - كلاهما مذمومان، وهذا واضح. ولكن ما هو التشدّد والحدّة، وما هو التساهل والتراخي، وما هو الخط الوسط؟ هذه أمور غير واضحة وجليّة بالكامل، ولا هي من المسائل البيّنة، وهي بحاجة إلى تبيين. ولأن أخبار كثيرة جداً تصلنا، وحينما ينظر الإنسان إلى الصحف والمطبوعات المختلفة، يفهم أن البعض يقصد بالتطرّف التيّار الحزب اللهي المؤمن؛ كلا.. لا تتّهموا التيار المؤمن، والتيار الثوري، والشباب الحزب اللهي بالتطرّف والتشدد، فإن هؤلاء هم الذين يملأون الساحات بكل كيانهم وبالغ إخلاصهم، وإذا ما تطلّب الأمر الدفاع عن الحدود والدفاع عن الهوية الوطنية، واقتضت الضرورة بذل الأنفس والـمُهَج، فإن هؤلاء هم الذين ينزلون إلى الميدان. لمجرّد حدوث قضية في مكان ما لا تحظى بالقبول والتأييد، يوجّهون على الفور أصابع الاتهام إلى الحزب اللهيين، كقضية السفارة السعودية التي كانت عملاً سيئًا جداً، وعملاً خاطئاً وغلطاً أيّاً كان الفاعل. بهذه الذريعة نقوم تجاه الجماعة المؤمنة والشباب الثوري الذين هم ثوريون من جهة - إذ تربطني بهؤلاء الشباب إلى حدّ كبير علاقة حميمة عن بُعدٍ وقُرب - ومن جهة أخرى، ففي الكثير من الأحيان نجد عقولهم وإدراكهم وتفكيرهم أعلى بكثير من بعض الكبار، فإنهم يُدركون جيداً، ويحلّلون جيداً، ويشخّصون القضايا جيّداً، ويجعلون من صدورهم دروعاً للثورة وللإسلام، نقوم بالنيل منهم بسبب حدوث القضية الفلانية في المكان الفلاني، ولقد كانت بالطبع حادثة سيئة! ليس فقط السفارة السعودية فحسب؛ إن الهجوم على السفارة البريطانية الذي حدث قبل عدة سنوات أيضاً أثار استيائي، ومثل هذه الأعمال مرفوضة من الأساس، وهي أعمالٌ في غاية السوء، وتنتهي بالضرر على البلاد وعلى الإسلام وعلى الجميع، ولكن لا يجعلوا منها مستمسكاً للتهجّم على شبابنا الثوري؛ هذه أيضاً قضية.

لهذا فإن الانتخابات - كما أشار إلى ذلك الشيخ جنتي بشكل صحيح - تعد نعمة عظمى وفرصة كبرى، وهي تستوجب الشكر، وشكرها هو أن نسعى جميعاً أينما كنّا لأن نقيمها بصورة جيدة نزيهة، وأن نحول دون المساس بهذا الإنجاز الكبير، وهذه الحركة الكبرى، وهذه المأثرة العظيمة وتشويهها من خلال أفعالنا وأقوالنا، ومن خلال بعض الكلمات غير المدروسة التي يسمعها المرء من هنا وهناك. ولنأخذ حِذرنا في ذلك، فإنها حادثة كبيرة جداً.

وأنتم أيّها القائمون على هذه المهمة الكبرى؛ اعلموا أنّ هناك تعباً ومشقة وأن المشاكل كثيرة، والتوقعات كبيرة، وأحياناً تنهال عليكم سهام التُهم - أينما كنتم، سواء في اللجان التنفيذية، أو في اللجان الإشرافية، أو في وزارة الداخلية، أو في مجلس صيانة الدستور - ولكن اعلموا أن أجركم عند الله كبير جداً، لأن المهمة مهمة كبيرة، ولأنكم تمارسون عملاً عظيماً. ولتكن إن شاء الله نيّتكم إلهية، وعملاً بالتكليف الإسلامي الثوري، ليكون أجركم عند الله تعالى كبيراً، فلا تستوحشوا من شدة هذا العمل، ومن صعوبة هذا الطريق، وتابعوا هذه المهمة على أتم وجه. هذا ما يخصّ الانتخابات.

مكتسبات الاتفاق النووي؛.. حقوقنا وجهودنا
 بالنسبة للاتفاق النووي "برجام" ..حسناً؛ لقد كان حدثاً كبيراً هاماً، والحق يقال إنهم قد بذلوا المجهود، وعلى الرغم من أن الاتفاق لم يحقق كل مطالبنا، إلا أن الإخوة الأعزاء - وزير الخارجية المحترم، والفريق المفاوض، ورئيس الجمهورية المحترم - قد تكبّدوا عناءً كبيراً في تحقيق هذا المقدار من مطالب الجمهورية الإسلامية. ولقد كنّا نشهد جهودهم وحرصهم وحركتهم وفكرهم ومتابعتهم واجتماعاتهم وجلساتهم الطويلة وسهرهم وأمثال ذلك. فنسأل الله تعالى أن يمنحهم جميعاً الأجر والثواب، وأن تكون أعمالهم مرضية عنده؛ هذا محفوظ في محله، ولكن البعض يسعى للإيحاء بأن الإنجازات التي تم تحقيقها، كإزالة العقوبات، كانت بفضلٍ من أمريكا ولطفها بحقنا! لكن الأمر ليس كذلك. وهناك من يريد استغلال هذه الفرصة لتجميل وجه الاستكبار المنحوس مرة أخرى، وهذا أمرٌ خطيرٌ جداً. فأيّ لطف هو هذا؟

أمريكا مغتصبة الدار!.. لا فضل ولا منة 
إنك بذلت المساعي، وجمعت الأموال، بنيت داراً، ثم يأتي إقطاعي المنطقة (الشبيح) ويأخذ منك مفتاح الدار، ويستولي على نصفها مثلاً، ويفرض عليك الضغوط والمضايقات، ثم تقوم بعد الجهود، والمساعي، واستخدام القوة الفكرية، والطاقة البدنية، والإمكانيات العامة، والوسائل الإعلامية، بطرده من الدار، ولكنه رغم ذلك لم يتخلّ عن غرفتين فيها، فهل له عليك منّة في أنه خرج من جزء من الدار، وأعاد بعض ما اغتصبه؟ هل له فضل ومنّة؟ هذا هو حال الأمريكيين.لقد قمنا بتسيير عجلة الطاقة النووية بقدراتنا، وفكر علمائنا، ومساندة مختلف حكوماتنا، وقدّمنا في هذا السبيل أربعة شهداء، حتى بلغنا هذه المرحلة؛ فهل هذا مزاح؟ وعملنا ما من شأنه أن يكون العدو الذي كان لا يتحمل أن يعمل جهاز طردٍ مركزي واحد في هذا البلد حتى ليوم واحد، مرغماً في الوقت الراهن وبسبب الحقائق الواقعية الموجودة، على أن يتحمّل عدة آلاف من أجهزة الطرد المركزي. وهذا لا يعود إلى فضلٍ من جانبه، وإنما يعود إلى مساعي شعبنا، وجهود علمائنا.
إنهم فرضوا الحظر لإثارة ثائرة الناس وجرّهم إلى الشوارع، وهذا ما أشرتُ إليه قبل عدة سنوات ، فقال البعض إنه تحليلٌ، ولعلّه كان تحليلاً في ذلك اليوم، ولكنه أصبح اليوم خبراً ومعلومات أكيدة، وهذا ما صرّحوا به هم أنفسهم، وأشار إليه العديد من محلّليهم وشخصياتهم في تصريحات مختلفة بأنّ هدفهم هو تأليب الناس ضد نظام الجمهورية الإسلامية وحكومة الجمهورية الإسلامية، ومخططهم هو جرّ أبناء الشعب إلى الشوارع. ولكن الناس صمدوا، واستقاموا، حتى أضحى هذا الصمود سنداً ودعامة للمبادرات السياسية والدبلوماسية والمفاوضات وما إلى ذلك. وأُرغم العدوّ على التراجع بهذا المقدار، وهذا بفضل ما أظهره الشعب وأظهرته حكومة الجمهورية الإسلامية من قوة واقتدار وعزة. علماً بأني شخصياً أعتقد أنه كان من الممكن أن ننجز هذه المهمة بشكل أفضل ممّا هي الآن عليه، حسناً؛ هذا ما اقتضته القدرات والإمكانات والفرصة المتاحة، إلا أن هذا  المقدار من التقدم، يعتبر إنجازاً ملحوظاً هاماً، والفضل في ذلك يعود إلى مساندة الناس، والاقتدار الوطني، والتواصل المتين بين نظام الجمهورية الإسلامية وبين أبناء الشعب والقاعدة الجماهيرية.

وأقول أيضاً إنّ القضية النووية وصراعنا مع الاستكبار – وأمريكا المحور فيه، وهي الصنم الأكبر، وباقي الدول الغربية التي خاضت هذا المعترك، لا يمثلون سوى أصنام هامشية جانبية - في الملف النووي، لم يكن مقتصراً على هذا الملف، وإلا فبالإمكان القَسَم بأنهم يعلمون أنّ الجمهورية الإسلامية لا تسعى وراء تصنيع قنبلة نووية؛ هذا ما يمكن أداء القَسَم واليمين فيه، وإنما القضية هي قضية أخرى. وهي تمثل جانباً من تحرّك عامٍ لفرض الضغوط على الشعب الإيراني، وإيقاف حركته الثورية نحو أهدافه، والحؤول دون المدّ المتزايد لنفوذ نظام الجمهورية الإسلامية في المنطقة وفي العالم، وهذه حقيقة، ونحن لسنا بصدد افتعال هذه القضية [والسعي إليها]، وإنما هي طبيعة العمل والنشاط، فهناك أفكار جديدة ذات جاذبية، تهفو إليها القلوب الطاهرة والنيات الصادقة، ما أدى إلى اتساع نفوذ الجمهورية الإسلامية وسمعتها الحسنة، وهذا ما أثار ثائرتهم وخوفهم. إن هدفهم هو إيقاف هذه الحركة، وإقناع الشعوب بأن جمهورية إيران الإسلامية أيضاً لم تتمكّن من إقامة نظام مبني على أساس الدين والاستمرار به وإدارته؛ هذا ما كانوا يريدون إظهاره، وهذه هي أهدافهم. على الجميع بمن فيهم المسؤولون وأبناء الشعب أن يتنبّهوا إلى هذه القضية.

أمريكا هي هي؛ في الأمس واليوم 
إن أمريكا تسعى وراء إمرار مشاريعها من خلال الهيمنة والتسلط والإعلام الكاذب، ولا بد من الصمود ومقاومة تسلطها وإعلامها الكاذب. وعلى المسؤولين كافة - سواء الحكوميين أو اللجنة المشرفة التي أوصيناها أيضاً - في الظرف الراهن توخّي الحيطة والحذر من لجوء الطرف المقابل إلى الخداع، لأنه أهل الخداع والمكر والاحتيال. ولا يمكن الوثوق بابتسامته وبالقناع الذي يتنكّر به.

وأقولها لكم: لا يوجد أي فارق واختلاف بين أمريكا في عهد ريغان، وأمريكا في عهد بوش، وأمريكا اليوم. وكما أن أمريكا في عهد ريغان رأت أنه من الضروري في فترة أن تقصف مواقعنا في الخليج الفارسي حقداً وغضباً، فإنها اليوم أيضاً لو استطاعت لقامت بنفس هذا العمل. وهي لم تتغيّر، وسياساتها في مجابهة الإسلام ومواجهة الجمهورية الإسلامية، سياسات ثابتة. بالطبع أساليبهم متفاوتة، فواحد يتّبع هذا الأسلوب، والآخر يتبع أسلوباً آخر، ولكن أهدافهم واحدة، وهذا ما يجب على الجميع الالتفات إليه.

ولذا فإنهم أهل مكرٍ وخدعة وتحايل. فلينتبه الجميع إلى خداعهم، وليدققوا بأن يكون ما ينفّذونه مطابقاً لما تعهّدوا بإنجازه بكل ما في الكلمة من معنى. ولا ينبغي التغاضي عن تحايل الطرف المقابل. ويجب عليهم الردّ بالمثل متى ما شاهدوا خدعة من جانبهم؛ أي إنّه يتعيّن عليهم الصمود وعدم الالتزام بالاتفاقات إذا ما شاهدوا الطرف الآخر ينقض عهوده.
شكرًا لشباب الحرس..

وهذه الحركة التي قام بها شباب الحرس الثوري الأعزاء في البحر، حيث أبرزوا هويتهم واقتدارهم أمام انتهاك العدو - ولم تسنح لي الفرصة حتى الآن أن أتقدم لهم بالشكر، وإني أشكرهم حقاً على ذلك – وقاموا بعمل صحيح وجيد جداً. فقد انتهك العدوّ مياهنا، وهبّ هؤلاء الشباب لمحاصرتهم. وعلى المسؤولين السياسيين أن ينتهجوا هذا النهج نفسه في جميع الساحات الدولية، وأن يراقبوا انتهاكات العدو، وينظروا من أي المواقع والثغور يريد التجاوز والانتهاك، ليقفوا أمامه بكل قوة واقتدار.

"الاقتصاد المقاوم": حلّ المشكلة الاقتصاديّة 
وهناك نقطة أخرى لطالما نبّهت عليها، وهي أنه الآن وقد أزيلت العقوبات، فهل ستُحلّ مشاكل اقتصاد البلد ومعيشة الناس وموائدهم برفع العقوبات؟ كلا، بل يتطلب الأمر إدارة ويحتاج إلى تخطيط وبرمجة. ولقد قلت في عهد هذه الحكومة، وكذلك في زمان الحكومة السابقة - وقد قُررت في عهدها بعض العقوبات الهامة (القوية)، وقسم آخر من العقوبات كان في طريقه إلى التنفيذ - بأن 20%، أو 30%، أو 40% من مشاكل البلاد الاقتصادية قد يرتبط بالحظر والمقاطعة، وأما الباقي فهو مرتبط بإدارتنا، فيجب علينا أن نعمل بإدارة وتدبير، وأن نعمل بشكل صحيح، والسبيل إلى ذلك هو الاقتصاد المقاوم.

ولقد حظي الاقتصاد المقاوم بموافقة الجميع وإمضائهم، ووضعوا له الخطط والبرامج - ولحسن الحظ، فإن للأجهزة الحكومية ولأعزائنا في الحكومة برامجهم في هذا الشأن للمتابعة – ويجب متابعة ذلك بصورة جادة، ويجب جعل البلد من الناحية الاقتصادية مقاوماً، وإلا فلو شخصنا بأبصارنا إلى قرارات الأجانب، وعلّقنا آمالنا على ما في يد الأجنبي، لما حققنا شيئاً. فقد خفضوا سعر نفطنا اليوم إلى خُمس ثمنه تقريباً، وأوصلوا للأسف هذه الثروة الأساسية لاقتصادنا إلى خمس قيمتها على وجه التقريب. ناهيك عن أن نفس ذلك السعر البالغ 100 أو 110 أو 120 دولاراً أيضاً لم يكن يمثل سعر النفط الحقيقي، فإنه أغلى ثمناً في واقع الأمر - وهذا ما أشرت إليه فيما مضى  - ومع ذلك فقد خفضوا هذا السعر نفسه إلى الربع أو الخمس. وهذه مسائل تحدث كثيراً فيما لو ركز الإنسان بصره وآماله على العدو. وهي هزّات لا مناص منها ولا اختيار للمرء فيها، فلا بد من بناء الاقتصاد بالطريقة التي تمكّنه من الثبات أمام هذه الهزات وعدم التأثر بها.

واليوم أيضاً، حيث تتردّد الوفود، يجب على المسؤولين الحكوميين التيقّظ، فلا ينبغي أن يَترُك إبرام العقود مع الوفود التجارية والصناعية والاقتصادية الأجنبية المختلفة، أثراً سلبياً على الصناعة والإنتاج والزراعة المحلية. وبالطبع فقد أوصينا المسؤولين المحترمين بتوخي الحذر في الجلسات الخاصة أيضاً. ومعنى ذلك أن البلد يجب أن يقف على أساس قدراته الذاتية. فإننا شعب مقتدر ذو عدد سكان كبير - حيث يبلغ عدد سكاننا ما يقارب ثمانين مليون نسمة، وهذا ليس عدداً قليلاً - ويوجد في بلدنا عشرات الملايين من الشباب المتخرجين، ولدينا الأكفاء والعلماء في جميع القطاعات والأقسام، هذا إلى جانب مصادرنا الجوفية، والتنوّع الفصلي الإقليمي المدهش في بلدنا، وهذه كلها إمكانيات متاحة وفرصة مغتنمة. فلا بد أن نرتكز على ركائزنا الداخلية، وأن لا نعتمد على الآخرين. 
فليعرف الجميع أمريكا!

حسناً، إنّ العدوَّ عدوٌّ، ومخطّطاته تنتهي بضرر الشعوب، وهذا ما هو مشهود في هذه المنطقة. هل تتذكرون قول الأمريكيين قبل عدة أعوام: «شرق أوسط جديد»، وما كنا حينها نعرف جيداً ما يريدون القيام به تجاه هذه المنطقة حتى أطلقوا عليها هذا الاسم، واليوم قد عرفنا ما هو الشرق الأوسط الجديد، إنه شرق أوسط الحرب والإرهاب والتعصب والتحجر والانشغال ببعضنا البعض، فالحرب قائمة في سوريا، وفي العراق، وفي ليبيا، والإرهاب منتشر في جميع هذه البلدان، وفي تركيا، وفي مناطق أخرى؛ هذا هو الشرق الأوسط الجديد، وهذا هو الشيء الذي كانوا يبتغون تحقيقه. وعلى الرغم من إنكارهم ذلك، إلا أن الإنسان له عين وعقل، وهو ينظر ويرى. فإنهم يعمدون إلى إثارة الحروب بين الشيعة والسنة، وتسليح العناصر الداخلية في البلدان وتأليبها ضد الشعوب والدول. هذا هو الشرق الأوسط الجديد المنشود لديهم، فليعرف الجميع أمريكا.

إن بلدنا ولله الحمد، ببركة تديّن الناس وثوريتهم وبصيرتهم، بقي إلى حدّ كبير مصاناً من تطاول وتعدي الأعداء الألداء. أجل، لقد سدّدوا ضرباتهم، ومارسوا بعض الأعمال، ولكنّهم لم يتمكّنوا من تسديد ضربات قاضية، وبتوفيق الله لن يتمكنوا من ذلك. وبفضل الله وإذنه سوف يشهد الشعب الإيراني ذلك اليوم الذي يتغلّب فيه على كل السياسات الاستكبارية ويبلغ فيه مناه، وبمشيئة الله سوف يصل الشعب الإيراني إلى كل تلك الأهداف والـمُثُل العليا التي تتطلّع إليها الثورة الإسلامية. وهذا ما يتطلب جهودنا العامة والمخلصة، وتعاوننا معًا وتوادّنا وتراحمنا. فعلينا أن نوحّد صفوفنا، ونبني معًا، ونعمل بعضنا مع بعض، ولا ننسى الأهداف والمبادئ الكبرى، ونخطو إلى الأمام في كل الميادين بودٍّ وإخاء. وإن الله مع الشعب الإيراني، والنصر سيكون حليفه إن شاء الله.

نسأل الله أن يمنّ عليكم جميعاً بالتوفيق والتأييد، وأن يحشر شهداءنا الأعزاء وإمامنا الخميني العظيم مع النبي الأكرم.

والسلام علیکم ورحمة الله وبرکاته



أضيف بتاريخ: 29/01/2016