بأقلامكم

منبر بلا صوت

منبر بلا صوت

هبة بشير

وسائل التواصل الإجتماعي، حديثٌ لا ينتهي، فهي في كل يومٍ تأتي بكل جديد، نكاد لا نخرج من عادة إلا لندخل في أخرى. والفيسبوك هو أهم تلك الوسائل، لأنه يربطنا بالعالم الخارجي بلا قيود أو ضوابط، بلمسة واحدة قد تصبح صديقًا مع شخص يبعد عند ساعات من السفر، ليتحول هذا الموقع إلى رقعة شطرنج تصل القريب بالبعيد ولكن.. من يتحكم بهذه اللعبة ولأي أهداف؟! كيف نجعل من أنفسنا أحجارًا تحركنا أيادٍ خفية وراء تحقيق مراميها. ونحن!! بلا بصيرة نسعى في هذه المواقع، نتحرك وفق الأوامر التي تفرضها علينا تلك الرقعة.

باتوا هم من يحددون يوم المرأة العالمي ويدفعوننا للإحتفال به ضمن شروطهم، ويحددون يوم الأم ليصبح عالميًا فتندرج سهراتنا وحفلاتنا وصور أمهاتنا وعوائلنا على ذاك اللوح العالمي من دون أن ندرك أبعاد مثل تلك التصرفات! ولعيد العشاق قصة أخرى، فتتحول صفحاتنا الزرقاء إلى حمراء اللون تملؤها الأزهار الحمراء والقُبَل، والهدايا والإحتفالات الخاصة، فخلت منازلنا من الحرمة ومشاعرنا ما عاد لها خصوصية أمام الجميع لنغرق في عوالم الحب والكراهية والحسد والغيرة والغرور والفرح والكآبة....

وللعبة جولات أخرى، {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، ولكن على الفيسبوك!! {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}  ولكن على الفيسبوك!! وغيرها من المنابر التي رُفعت على الفيسبوك ليصبح منبر المتعلمين والمثقفين وعلماء الدين والصالحين، منبر الملحدين والفاسقين والجاهلين والمنافقين، منبر بلا صوت، لا يطرق الأسماع بل يطرق العقول مباشرةً، لتنغرس الأفكار في صحراءٍ جففناها بأيدينا بعد أن غيبنا بصيرتنا وأبدينا استعدادنا لأن نزرع فيها كل وافدٍ من هذا العالم المجازي. فما المشكلة أن نتبادل عبارات الحب والغرام أمام الجميع، ما المشكلة أن ندرج صورنا عند الإستيقاظ وقبل النوم، في المطعم والمسجد، ما المشكلة أن ننادي صاحب الزمان أن يعجل ظهوره على الفيسبوك ونجدد البيعة لديه كل جمعة عبر هذه الصفحة، ما المشكلة أن نطلب من الله تحقيق أمانينا ودعواتنا عبر تلك الصفحة ما المشكلة!! المشكلة فينا نحن! إنها ليست نظرية المؤامرة التي نبرر بها كل تصرف خاطئ نقوم به، بل إنها عقولنا التي سمحت لهذه المعتقدات أن تتغلغل إلينا، وطبعنا المستهلك تلقفها تحت شعار التحرر والإنفتاح.

إن هذا العالم  ما هو إلا رقعة شطرنج يتلاعب بها صانعيها، فإما أن نختار أن لا ندخل هذه اللعبة فنعطل سَيرها أو أن نرضى بأن نكون إحدى قطع هذه اللعبة ونُسيَّر نحو أهداف غيرنا. الحل بأيدينا لا بأيدي غيرنا، لنسأل أنفسنا كيف كنا نحيا بلا هذا العالم الإفتراضي، هل كانت أيامنا مغلقة ومملة؟ هل كانت بلا لون أو طعم، هل كانت أحاديثنا بلا صوت ودعوات بلا منبر؟ هل كانت مشاعر مزيفة وإيمان مصطنع؟ كيف كانت حياتنا قبل الفيسبوك؟؟

أضيف بتاريخ: 22/03/2016