مقالات

نمط الحياة كمدخل للحرب الناعمة

  

نمط الحياة كمدخل للحرب الناعمة

 


يشير نمط الحياة في كل بيئة ومجتمع إلى نوع خاص من القيم والافكار والتعاليم التي يعتقد بها هذا المجتمع باعتبار ان النمط يحكي عن المعتقد ، فهو الترجمة العملية له على ارض الواقع. واذا كنا لا نجد شخصاً او جماعة من دون معتقد ومن دون خلفيات فكرية وايديولوجية فهذا يعني اننا لن نجد شخصاً او جماعة ايضا لا تمتلك نمط حياة معين.


واذا كان وجود نمط الحياة ضرورياً فقد تشترك مجموعات عديدة في بعض تفاصيل انماط الحياة وتختلف في البعض الآخر انطلاقاً من الاختلاف الايديولوجي بينها.


يشير نمط الحياة الى مجموعة كبيرة وواسعة من السلوكيات الانسانية التي لا يمكن حصرها بسهولة فهي تتضمن كافة اشكال السلوك بدءً من علاقة الشخص بربة وعلاقته مع نفسه وعلاقته بالافراد المحيطين به ثم علاقته بالموجودات الاخرى التي يعيش معها (الجماد والنبات والحيوان).


وبعبارة اخرى اذا اردنا التعمق في بحث نمط الحياة، فمن الضروري البحث عنه ضمن العناصر الآتية:

-      العنصر العبادي: ينبغي علينا ان نحدد بشكل دقيق العلاقة التي تربط الفرد والمجموع بالله تعالى. كيف يجب ان يكون سلوك الانسان اتجاه ربه؟ وما هي واجباتنا اتجاه خالقنا؟ طبعاً السلوك الشخصي هنا ليس بمعزل عن السلوك العبادي المطلوب من المجموع، فكل انسان مسلم اراد الله منه العبادة على سبيل المثال وحددها له. وبالاضافة الى ذلك هناك بعض السلوكيات التي تحكم المجموع بما هو مجموع.


-      العنصر الاجتماعي: بناءً على هذا العنصر يجب تحديد السلوكيات وانماط الحياة التي تربط الفرد بالآخرين. هنا يمكن الحديث عن المعاملات وضوابط التعامل بين الافراد ايّ القيم التي تحكم المعاملات وكذلك الامور ذات العلاقة بالقيم الاخلاقية الانسانية التي تسهل العلاقة بين الافراد.


-      العنصر الاعتقادي: يشير هذا العنصر الى المفاهيم المعرفية التي يجب ان يحملها الفرد المنتسب الى عقيدة وايديولوجية معينة. ومن جملة ما يندرج في هذا الاطار معرفة الإله والوجود والانسان، وتساهم هذه المعرفة في امتلاك الشخص رؤية واضحة لحقيقة نفسه وما يحيط ويتعلق به مما يترك اثراً على قيمه الخاصة.


-      العنصر الاخلاقي: هنا ينبغي تحديد الصفات الداخلية للشخص المتدين والتي على اساسها يتعامل مع الآخرين انطلاقا من الفضائل. ويفترق هذا العنصر عن الاجتماعي في ان الاجتماعي يعنى بعلاقة الفرد بالاجتماع البشري وهذا اعم منه اذ يتضمن الصفات والفضائل التي يجب ان يمارسها الشخص في علاقته مع الله تعالى والموجودات الاخرى غير البشرية....وغير ذلك من العناصر الاخرى


إن نمط الحياة هو ظاهرة جمعية، وهو يتعلّق بالوضع الطبقي حيث لا ماهية مستقلّة له، بل يدل على وجود طبقات في المجتمع.[1]


وبما ان المجتمع يقسم إلى طبقات لذلك فان السلوكيات والتصرفات والأفكار ... ذات العلاقة بالأفراد والمجموع تتحدد من خلال نوع الطبقة الاجتماعية.وتعود هذه القراءة الى بعض الايديولوجيات التي حكمت البشر والتي يجري على اساسها وضع معتقدات تنص على الطبقية الاجتماعية والاختلاف الانساني على اساسها.

ويتجلّى مفهوم نمط الحياة في الأنظمة البرجوازية على أساس المصرف عند الإنسان ، وبعبارة أدق الوصول إلى القيم الأساسية التي تركز على البعد الفردي والقدرة على إبراز هذه الفردية في العلاقات مع الآخرين[2].


يعتقد ماكس ويبر ان نمط الحياة يشير إلى أنماط السلوك ، اللباس، التحدّث، التفكير والاتجاهات التي تبين الاختلاف في منزلة الأشخاص[3] ، ويبين إن المقصود من نمط الحياة هو القيم والعادات والآداب المشتركة التي تضفي على المجموعة الإحساس بالهوية الجمعية.


يشير كيدنز الى ان نمط الحياة عبارة عن مجموعة شبه جامعة من الاعمال التي يمارسها الشخص. تؤمّن هذه الاعمال الاحتياجات الموجودة وتحكي عن هوية الشخص في مقابل الآخرين. ان نمط الحياة في اعتقاده هو مجموعة منسجمة من كافة الاعمال والنشاطات التي يقوم بها شخص محدد في مجريات حياته اليومية.[4]


وقد تحدث الامام السيد علي الخامنئي حول نمط الحياة شارحاًالفهم الاسلامي له. يقول القائد: " ان السلوك الاجتماعي ونمط الحياة ، تابع فهمنا للحياة : ما هو الهدف من الحياة؟ ان أي هدف نحدده للحياة ، وكل هدف نرسمه لنا ، ويكون مناسبا لنا بالطبع ، فهو يقدّم لنا نمط حياة معيّن. هناك نقطة أساسية وهي الإيمان. يجب أن نحدد هدفاً – هدفاً للحياة – ونؤمن به، لا يمكن التقدم في هذه الأقسام من دون إيمان، ولا يحصل عمل صحيح، ويتم اختيار نمط الحياة على أساس هذا الايمان".[5]


يرتبط نمط الحياة بالهدف منها ، فعندما نفهم الهدف من الحياة عند ذلك يجب ان نختار نمط الحياة الذي يقرّبنا من ذاك الهدف أو الأهداف وهذا يتوقف على الإيمان بالهدف، فالإيمان بالهدف هو الذي يجعل الشخص مقنعا بضرورة الوصول اليه وهذا لا يتم إلا من خلال اختيار أسلوب معين للحياة . وهنا يجب الحديث بشكل مفصّل حول كيفية الحصول على الأهداف وكيف يتأتّي نمط الحياة.


بناء على رؤية الشهيد مطهّري فان كافة الأهداف التي يعرضها اي مذهب ، تقوم على أساس رؤية كونية ، وعليه فان أهداف الحياة تتضح عند وجود رؤية كونية صحيحة وبالتالي يمكن تحديد نمط حياة معيّن عند تحديد اهداف الحياة .


يمكن التعبير عن الرؤية الكونية بالحكمة النظرية وعن نمط الحياة بالحكمة العملية .

وعلى هذا الأساس فان الوصول الى نمط الحياة يتطلب الالتفات الى الرؤية الكونية والحكمة النظرية . ومن هنال يمكن القول ان نمط الحياة هو " مجموعة من السلوكيات ، الأعمال، الطرق، الأساليب التي توصلنا الى أهداف الحياة"[6].


·      الأركان الأخلاقية في الحركة الحياتية:

لعل من أبرز الأمور التي تشغل بال الإنسان، القضايا ذات العلاقة بالمعاش أي الحياة اليومية من إنتاج ومصرف وتعاطي مع الأمور المادية. من جهة أخرى فان الفهم الخاطئ للمفاهيم الأخلاقية يؤدي إلى فساد المعاش. من هنا ينبغي التأكيد على بعض المؤلفات والعناصر الأخلاقية التي تدور حول المصرف في الحياة والمعيشة وهي على النحو التالي:


أ – الاقتصاد والاعتدال

يعتبر الاقتصاد والاعتدال في الحياة من جملة الأصول الأساسية للحياة السليمة وهذا ما أكّدت عليه الروايات.

  ورد عن الامام أمير المؤمنين (ع): "وعليك بالقصد فانه أعون شيء على حسن العيش"[7]. ويحمل الاقتصاد والاعتدال في طياته مصلحة الدنيا والآخرة معاً. ورد عن الصادق (ع): "من علامات المؤمن ثلاث ، حُسن التقدير في المعيشة و... قال: ما خير في رجل لا يقتصد في معيشته ما يصلح لا لدنياه ولا لآخرته"[8] .


ب- القناعة

من جملة أصول إصلاح المعاش ، القناعة وتعويد النفس على القلّة والالتزام بذلك بما يساهم في عزة الإنسان والمجتمع. يقول الامام امير المؤمنين (ع): "بالقناعة يكون العزّ"[9]. وشكا رجل إلى أبي عبدالله (ع) انه يطلب فيصيب فلا يقنع ، وتنازعه نفسه إلى ما هو أكثر منه وقال : علّمني شيئا أنتفع به  فقال أبو عبد الله (ع): "إن كان ما يكفيك يغنيك ، فأدنى ما فيها يغنيك ، وان كان ما يكفيك لا يغنيك فكل ما فيها لا يغنيك"[10].


ج – الزهد:

يعتبر الزهد والطريقة الزاهدة بالحياة واحدا من المميزات الأساسية للحياة الصالحة. والمقصود من الزهد هو عدم الرغبة باللذائذ الدنيوية ، وعدم الرغبة هنا يعني عدم التعلّق بها بحيث يكون لها تأثيراً كبيرا على مستوى الحياة وعلى حساب الأبعاد الأخرى للحياة الإنسانية أي الأبعاد الأخلاقية والمعنوية والروحية.


تحدّثت النصوص الدينية عن الزهد بشكل كبير وهناك الكثير من الروايات التي أشارت إليه، ويُفهم منها إن الزهد عبارة عن إفراغ القلب لأجل الآخرة وخلوص النية للحق تعالى واستغراق الهمّة في الذات الأحدية وان الزاهد لا يأنس بغير لقاء الله تعالى[11].


يقول الامام أمير المؤمنين (ع): "الزهد كله بين كلمتين من القرآن قال سبحانه (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)"[12]. وعنه (ع) أيضا " أفضل الزهد إخفاء الزهد"[13].

 

 



[1] راجع: فصلية "دراسات نمط الحياة" ، اصدار مركز ابحاث مؤسسة الاذاعة والتلفزيون في الجمهورية الاسلامية، العدد3، 1392هـش. (2013)، ص14.

[2] م.ن.، ص13

[3] م.ن.،ص 143

[4] التجدد والتشخص، آنطوني كيدنز، ص120.

[5] من كلام السيد القائد بتاريخ 23/7/1391ه.ش

[6] الرؤية الكونية التوحيدية،الاستاذ الشيهد مرتضى مطهري،ص5

[7] موسوعة احاديث اهل البيت (ع)، الشيخ هادي النجفي، ج9،ص154

[8] وسائل الشيعة، الحر العاملي،ج17،ص66.

[9] شرح نهج البلاغة،ابن أبي الحديد ،1404،ج3، ص55

[10] الكافي، الكليني، 1365، ج2 ص139

[11] جامع السعادات ، النراقي1417 ، ص 53

[12] مفردات نهج البلاغة ، القرشي، ج1، ص51

[13] نهج البلاغة ، الحكمة 28

أضيف بتاريخ: 21/06/2017