مقالات

دور الاعلام في الحرب الناعمة -عصر الحروب النفسية والالكترونية

دور الاعلام في الحرب الناعمة
عصر الحروب النفسية والالكترونية


أ.حسن الزين


يعيش الفرد اليوم وسط غابة من وسائل الإعلام، فهناك حوالي 11800 قناة فضائية تلفزيونية مفتوحة، وحوالي 44 الف اذاعة، وحوالي مليار موقع وصفحة انترنت، و3 مليار مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي، و3 مليار هاتف خليوي منها 2 مليار هاتف ذكي حول العالم، وهناك ما يقارب 6100 معظمها أصبحت تبث عبر الانترنت .  


وفي لبنان هناك 6 قنوات وعشرات الاذاعات، والعشرات من الصحف اليومية والإسبوعية، ولدينا 2 مليون مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي والانرتنت، وحوالي 2 مليون هاتف ذكي.   


إن خلط الأوراق وإثارة الأحداث من وظائف الحرب الناعمة، أي أنها تخلط الحق بالباطل وترفع شعارات إصلاحية وعقلانية وتصل الى قيام العدو بإدعاء مد يد التعاون، وهذا ما يضيع البوصلة الصحيحة للأحداث والقضايا لدى بعض النخب والجماهير التي لم تدرك بعد أن لعبة الحرب الناعمة التي تنتهجها الدول المعادية وخاصة الادارة الاميركية في ظل الانتشار الواسع لتكنولوجيا الإتصال والإعلام وعصر الانفجار المعلوماتي أصبحت تقوم على معادلة الإقناع الإعلامي وهو غير الإقناع البرهاني والشرعي "فالمنتصر والقوي هو من تفوز روايته للأحداث بصرف النظر عن حقيقة الأحداث"


أي الطرف الأقدر على إقناع العالم بمصداقية روايته وتوصيفه للأحداث والوقائع بصرف النظر عن الحقائق والمعايير الأخلاقية. ويمكن أن نضرب من باب المثال حجم التضليل والخداع الذي واكب أحداث سوريا !! 
ومن هنا نفهم ما تحدث منظر الحرب الناعمة جوزيف ناي من أن " القوة الناعمة تعتمد أكثر من القوة الصلبة العسكرية على وجود طرفين : طرف موجه يروج لدعاية ما من جهة ومتلقين مستعدين لقبول التوجيه الإعلامي".  
وتعكس هذه المقولة حقيقة اصبحت واضحة في هذا العصر الذي تتدفق فيه المعلومات من شتى المصادر الاعلامية، وفي ظل توفر الوسائل الاعلامية ومصادر المعلومات بغزارة لم يشهد لها العالم نظيرا قي تاريخه . 
من الناحية العلمية التشريحية تشكل وسائل الإعلام احدى المصادر البارزة لصناعة الوعي الفردي والجماعي ومنفذ ومصدر مهم لإدراك الاحداث والوقائع السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وقد دخلت في عمليات الحرب النفسية منذ بدايات القرن 20، لكن هذه العمليات تطورت مع انتشار وسائل الاعلام وخاصة الانترنت في التسعينات من القرن 20. 


وحتى التسويق التجاري للشركات يعتمد بنسبة كبيرة على ما تبثه الإعلانات ووسائل الدعاية المختلفة وله أبحاث في علم الاعصاب تربط بين صورة المنتجات والسلع وكميات الطلب عليها ورفع وتيرة الاستهلاء وعمليات الشراء، حتى أن المستهلك أصبح يشتري معظم الأشياء بدون أن يكون لديه حاجة اليها، لكنه يـأثر بالاعلانات وفق ابحاث مارتن ليندستروم، أحد أهم خبراء التسوق والاعلانات (دوافع التسوق، لماذا نشتري، حقائق وأكاذيب ؟) . 
وفي العام 1995 أجرى وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون ابحاثاً على الفص الأيمن من الدماغ حيث توجد القشرة المتكونة حديثاً Neocortical   التي يمكن تشبيهها بمنظومة إعلامية تستقبل المؤثرات الخارجية، وتساهم في إحداث تأثيرات عميقة في العقد العصبونية Neural Nodes  للعقل البشري(1) . 


وتطورات الأبحاث من مستوى الفرضيات الى مستوى النظريات التي تؤكد وجود تأثيرات حقيقية على المتلقي للمؤثرات الاعلامية من منافذ التكنولوجيا من خلال حلقات رباعية مترابطة يرمز إليها بـ OODA  والتي تلخص آربع آليات يمارسها الذهن البشري وفق الآتي : 
1ـ مراقبة Oserve  
2 ـ توجيه Orient   
3ـ  قرار Decide  
4ـ  فعل Act  . 


بناء عليه، تعمل وسائل الإعلام والتواصل على إحداث الخلل والإضطراب في آلية عمل تلك الحلقات بهدف إحداث التأخير في نمطها عملها الدوري. 
وقد استخدم في العملية دراسات وأبحاث اعتمدت أحدث انجازات مناهج علم النفس وخاصة مبادئ المدرسة السلوكية الأميركية التي ترتكز على عقيدة تقول " ان خلق بيئة محددة من القيم يعطي نتائج محددة من السلوكيات" تلك البيئة يتم صناعتها بمساعدة من علوم البرمجيات اللغوية وعلم أعصاب الدماغ والبارابسيكولوجي ومنجزات تكنولوجيا الإعلام والإتصال التي بلغت ذروتها في العقدين الإخيرين في هذا الإنتقال(2).
وعندما تحدث جوزيف ناي عن تغير سياق القوة اشار الى أن هذا العصر الذي تقلصت فيه الحروب العسكرية لكسب الأرضي لأسباب كثيرة يشهد حروبا من نوع اخر، انها الحرب لكسب الشرعية وحرب كسب العقول والقلوب، وعصر الحروب النفسية والالكترونية وما شابه . 


من هنا أصبح لوسائل الاعلام دور بارز في تحديد المنتصر والفائز والمهزوم، واصبح الاعلام صناعة سياسية وثقافية خطيرة، ولهذا أضافت معظم وزارات الدفاع أقسام متخصصة بحروب المعلومات بهدف نشر الأخبار المضادة ومواجهة الدعاية التي تروجها الجماعات والدول ( أنشأت وزارة الدفاع الاميركية مكتب التضليل الاستراتيجي أضافت عام 2003 وأنشأت وزارة الدفاع الروسية قسم اعلامي تابع لهيئة الأركان الروسية لمواجهة الداعاة الاعلامية والمعلومات المغلوطة عام 2016 ) .   
وأيضاً التنظيمات الارهابية استغلت واستثمرت في وسائل الاعلام وخاصة في الاعلام الجديد، وأنشأت أقسام متخصصة للدعاية والتضليل، وبرز منها تنظيم داعش الذي اعتمد على بث الفيديوهات الإجرامية ومشاهد قطع الرؤوس لتخويف اعدائه واجتذاب الاتباع الجدد.  


وفي ساحة الحرب الناعمة ينبغي لجمهور المقاومة ادراك أهمية المعلومات والاخبار ومن اين يستقون هذه المعلومات والاخبار، وكذا التحليلات السياسية، وضرورة " فلترة " كل ما ينشر في وسائل الاعلام لأن الدول وأجهزة المخابرات المعادية تعتمد بنسبة كبيرة لتسويق مشاريعها السياسية والثقافية وحتى العسكرية على ضخ معلومات وسيناريوهات وحروب نفسية ودعايات مغرضة وتضخيم شخصيات فارغة وتصغير شخصيات كبرة، وكذا اشاعة قيم فاسدة تحت عناوين الانفتاح والحريات و" الرأي والراي الأخر " وكلها أكاذيب خادعة ثبت ضلالها على مدى السنوات ال20 الماضية منذ انتشرت وسائل الإعلام بكثافة لا نظير لها . 
وبالمقابل، لدينا منظومة اعلامية قوية يشهد لها العدو بالمصداقية والتأثير والحصافة والرصانة ينبغي أن نحافظ عليها وندعمها ونطورها، ومتابعتها في استقاء الاخبار والتحليلات . 


1.سوسيولوجيا الإنترنت، د. نديم منصوري، منتدى المعارف ط 2014  ص155.

2.برمجة الوعي . سامي الموصللي .  دار شعاع  2008 ص 85.

أضيف بتاريخ: 15/09/2017