مقالات أخرى

المشاهد العربي أمام القنوات العابرة الحدود

 المشاهد العربي أمام القنوات العابرة الحدود

 



لم يعد هناك مجال للحديث عن قنوات عربية جامعة شاملة قوية، وذلك إلى حين إشعار آخر. قتلت المصالح المتنافرة الأهداف الموحدة. وأنهت مخططات بث الفتن ونشر الشرور، الأحلام التي ظلت تداعب ملايين العرب على امتداد مئات السنين.
قرون من التاريخ المتشابه والجوار المتلاصق أدت إلى تطابق الحلم. وما إن أطلّ عصر الفضائيات المفتوحة حتى هلّل العرب وصفقوا وانتظروا «الحلم العربي»: قنوات عربية المنشأ والهوى والتوجه والهدف والقاعدة الجماهيرية. وبعد صعوبات مالية وإدارية ولوجستية، خرجت قنوات عربية للجميع.


صحيح أن نقطة الانطلاق كانت فنية ترفيهية، لكنها جاءت لتشبع رغبات عربية شعبية متلهفة لنكهة عربية لا تختص مواطن هذه الدولة من دون ذاك. ولم يكن هناك أفضل أو أحلى أو أضمن من فيلم عربي هنا أو لقاء مع ممثل عربي هناك أو برامج فنية ورياضية عربية هنا وهناك تلبي الشغف وتطفئ الظمأ. كأنّ الجمهور العربي لم تشبعه وجبات «سي إن إن» الأميركية الدسمة، ومشهيات إذاعتي «مونت كارلو» و «إذاعة الشرق» الفرنسية الراقية، وسلطات «بي بي سي» الغنية، فأراد محطات عربية تعبر عن قوميته وكان له ما أراد عبر قنوات تحمل أسماؤها وشعاراتها ورسائلها الإعلانية تنويهات عربية قومية شاملة، حيث لم تكن تخاطب المواطن السعودي، أو تتوجه إلى المغربي، أو تتخصص في المصري، بل كان الخطاب والتوجه والتخصص عربيًا بحتًا.
صحيح أن نعرات وطنية كانت تعكر صفو القومية التلفزيونية بين الحين والآخر، لكنها ظلت مجرد عكارة تذهب وتجيء. فمن فريقي كرة قدم عربيين متواجهين يتسببان في مشاحنات هنا ومناطحات هناك، ومنافسات درامية على لقب «أفضل مسلسل» أو «أحب ممثل»، ومصير لقب «أمير الغناء العربي» هل يذهب للمشرق أم يتوجه للمغرب، ظلت التوترات قيد الترفيه والرياضة. وقد ساعد على تطويق النعرات وتهدئة الشعبويات أن عصر تقنية المعلومات وإتاحة شاشات التغريد والتدوين والمناطحات العنكبوتية لم يكن قد بدأ بعد.


وبعد سنوات قليلة أطلت قنوات عربية إخبارية، فكانت إطلالة بهية. فرح المواطنون العرب من المحيط إلى الخليج. اعترتهم مشاعر «عربية» موحدة. شعروا أنهم حصلوا على استقلالهم الخبري، وما عادوا في حاجة للتلصص على «بي بي سي» أو اللجوء إلى «سي إن إن» أو البحث في أغوار قنوات الغرب والشرق التي تتناول شؤونهم بمقدار من الحياد والموضوعية. وعلى رغم صعوبة شرح أسباب شعورهم اليقيني بإنه أصبحت لديهم قنوات إخبارية جامعة، كما إنه ليس في الإمكان تحديد عوامل علمية أو مؤشرات عملية جعلتهم موقنين من أن هذه القنوات لا ترجح كفة هؤلاء على حساب أولئك، أو تدعم هذا للقضاء على ذاك، إلا أن الشعور العربي الشعبي العام كان تفاؤلاً بالاستقلال الخبري ويقينًا بالاستغناء عن القنوات الخبرية الغربية (والروسية والآسيوية).


لكنّ سنوات الربيع، كشفت الستار عن روائح خبرية غير زكية، ونكهات سياسية غير نقية. قليلون فقط هم من استشعروا ملامح الخطر الخبري الآتي. أما الغالبية فظلت على تفاؤلها. ومع بوادر هبات مغايرة للنسائم المتوقعة في رياح الربيع، أخذت قاعدة المشككين والمتريبين تتسع. فكيف يكون المواطن موجودًا بشحمه ولحمه في شارع خاو ثم يراه «على الهواء مباشرة» مكتظًا بالمتظاهرين المؤيدين للتيار الفلاني؟ وكيف يكون مغروسًا مع ملايين غيره يوميًا في وطنه وملمًا بكل كبيرة وصغيرة ثم يفاجأ بتغطية خبرية عاجلة عن وطنه وكأنها تتحدث عن وطن آخر؟! وكيف يكون شعبه قد اختار المسار السياسي «ألف»، فإذ بالنشرة تسرد أن الشعب اختار المسار «باء»؟
ولأن الحقائق المغايرة والأخبار المناوئة جاءت على هوى جماعات من دون أخرى داخل البلدان العربية، انقسم المواطنون بينهم: فريق يرى في تلك القنوات صوت الحق ونبراس المهنية وطريق الموضوعية، وفريق يعتبرها أبواقاً لجماعات مصالح أو منصات لتحقيق مآرب، وثالث أعلن انسحابه عن الساحة الخبرية برمتها مكتفيًا بتلقي سهام الربيع على باب بيته.


وقد زاد من قلق سكان البيوت - بعد هدوء أدرينالين الربيع العربي المبهج- أن أصوات الغرب بدأت تتصاعد لتدقّ على أوتار هذه القنوات نفسها معتبرة إياها «الطريق نحو دمقرطة العالم العربي» و «الوسيلة الوحيدة لتغيير الأنظمة القمعية» و «الأداة التي يجب على شباب العرب اقتناصها لفرض سيطرتهم وتصحيح المسار نحو التحول الديموقراطي» وغيرها من الدفاعات المريبة التي زادت من حجم التشكيك.
التشكيك في القنوات كان – ومازال- مبالغًا فيه، لكنّ الخوف يولّد الشك والشك يؤدي إلى المبالغة، لا سيما أن جعبة القنوات الإخبارية العربية حوت كذلك عددًا من القنوات الناطقة بالعربية ولكن بتمويلات غير عربية.
شهر العسل المنقضي بين المواطن العربي والشاشات العربية الإخبارية التي تخاطب العرب من المحيط إلى الخليج انتهى، لكنها ليست نهاية حتمية للعلاقة برمتها، فربما تكون فرصة للتصحيح والتطهير والتسليم بأنّ المشاهد العربي القابع في بيته أو مخبئه أو ملجئه بات رقيبًا على المهنية قادرًا على قياس حجم الصدقية، وذلك بفتح نافذة بيته أو إزاحة غطاء خيمته التي تؤويه في عرض الصحراء أو في معسكر اللاجئين عبر البحر.


بحور القنوات الإخبارية العربية عميقة ومعقدة. ولم يعد في الإمكان تجاهل أو تناسي أثر رأس المال وتوجهات الملاك على القنوات، سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات أو حتى دولاً. من يملك دفع الرواتب يملك حق التوجيه بخفة ورشاقة، والتخفيف بهدوء وبلا صخب، والمبالغة عبر تقارير وتحليلات، والدق على أوتار هذا الحدث وتناسي ذاك بالمعايير المهنية ذاتها.
وأغلب الظن أن وجود قناة عربية إخبارية تخاطب المواطن العربي من المحيط إلى الخليج، بمن في ذلك تلك الملايين التي هربت في ارجاء الكوكب من نيران الربيع المتفجرة عربيًا ليس أمرًا متاحًا في الوقت الراهن. صحيح أن هذه القنوات مازالت موجودة، لكنّ متابعيها ما عادوا يعتبرون أخبارها أخبارًا مسلمًا بها. عادت التوجهات الشعبية لمراجعة محتوى الخبر مرة في قنوات غربية وروسية وصينية، ومرة في قنوات عربية إخبارية مناوئة قبل أن يعتبره خبرًا منزهًا عن الهوى.
وفي انتظار قناة عربية إخبارية تصلح ما أفسدته العوارض الجانبية للربيع، والآثار العكسية لتسييس الأخبار، والتلاعبات الشخصية في محتوى القنوات يعود المواطن العربي من المحيط إلى الخليج إلى دوره البحثي والتدقيقي في ما يجري على باب بيته... أو مخيمه.

صحيفة الحياة  
القاهرة – أمينة خيري 

أضيف بتاريخ: 29/11/2017