مقالات أخرى

إسرائيل تكشف المستعربين إعلامياً

إسرائيل تكشف المستعربين إعلامياً


 


لم يكن الجزء الثالث والأخير من تقرير موقع "مكور ريشون" الإسرائيلي عن وحدة المستعربين التابعة "لحرس الحدود الإسرائيلي" في القدس والترويج لـ"مهنيتها وأهميتها وتفهمها للواقع المقدسي"، السلسلة الوحيدة التي تُسوُّق لهذه الوحدات، بل جاءت ضمن تقارير أكثر كثافة وشمولاً خصصها الإعلام العبري بمختلف أشكاله وألوانه ومرجعياته، منذ عدة أسابيع لتسليط الضوء على انجازات هذه الوحدات وخصوصاً ما تعرف بـ"دوفدفان" التابعة للجيش الإسرائيلي.

ولعل موقع "واللا" الإسرائيلي كان سبّاقاً قبل نحو شهر في نشر انجازات وحدة المستعربين "دوفدفان"، إذ قال إنها نفذت نحو 300 عملية خلال عام 2017 وحده، منها عمليات اعتقال، والهدف هو "حفظ الهدوء على الأرض". ويعني ذلك أن إسرائيل تطرح موضوع المستعربين كسلاح مهم ومتقدم في قمع ولجم وتخويف الفلسطينيين، رغبةً في القضاء على التظاهرات أو تصاعدها وتحولها لشكل آخر يُمثل تحدياً أمنياً أكبر لتل أبيب، ألا وهي عمليات الطعن و إطلاق النار.

والواقع، أن الإعلام الإسرائيلي ليس وحده مَن يُروج ويُسوّق لهذه الوحدة، بل ينضم اليه جيش دعائي عبر السوشيال ميديا، عماده مسؤولون وناطقون في المؤسسة العسكرية والأمنية في الدولة العبرية. 

ولعل المثال الأبرز والاحدث على ذلك، ما كتبه الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي افيخاي ادرعي في صفحته في فايسبوك، حينما علق على فيديو- يبدو ان طائرة عسكرية قد التقطته- لسبعة من "قوات المستعربين" وهم يعتقلون شاباً ثلاثينياً وشابين يافعين أثناء مواجهات مع القوات الإسرائيلية في بلدة أبو ديس قضاء القدس، الجمعة، إذ كتب ادرعي: "شاهدوا: #المستعربون يعتقلون ٣ مشاغبين في #أبو_ديس بعد محاولتهم إلحاق الضرر بالسور الأمني. ليعلم كل من يستخدم #العنف وسيلة ويحاول استهداف قوات الأمن ان يدنا الطويلة سوف تصل اليه أجلًا او عاجلًا".

عملياً، هذه الوحدات المُستعربة، والتي يُقال إنها تضم عرباً ويهوداً، قديمة ويعود تأسيسها لعقود، وتُشكل سلاحاً استراتيجياً فعالاً ومتقدماً لإسرائيل في اختراق التظاهرات الفلسطينية واعتقال ملقي الحجارة والزجاجات الحارقة، مروراً بتنفيذ اغتيالات وعمليات رصد في قلب مدن وبلدات الضفة الغربية، قبل الإنسحاب بسلاسة؛ ذلك أنها تضم عناصر يتم تدريبهم على اللهجة الفلسطينية، وبوجوه ولباس وتسريحة شعر شبيهة للشبان الفلسطينيين.

ويتسلل المستعربون إلى صفوف المتظاهرين الفلسطينيين من الخلف، ويلبسون الحطة الفلسطينية، ويلقون الحجارة، ويروي احد المتظاهرين "انه قبل عملية الاعتقال التي نفذها هؤلاء في أبو ديس، قبل أيام، فإن المستعربين كانوا ينصحون المتظاهرين- للتغطية والتمويه-  بتغطية وجوههم حتى لا ينكشفون للإحتلال ويتم اعتقالهم".

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه في هذا التوقيت هو: ما دامت هذه الوحدات قديمة النشأة، فلماذا تكثيف الحديث الاعلامي والرسمي الإسرائيلي عنها من جديد، والترويج لعمليات الاعتقال التي تنفذها في صفوف المتظاهرين الفلسطينيين؟ وما المغزى من ذلك؟

مما لا شك فيه، ان هذا الحديث ارتبط تصاعدياً بالتظاهرات والإجتجاجات التي تجري في الأراضي الفلسطينية منذ ما يزيد عن شهر، غضباً على اعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، القدس عاصمة لإسرائيل، بغضّ النظر عن ترنّح زخم ومستوى هذه التظاهرات التي تشتد حيناً وتهدأ حيناً آخر.

غير أنّ الواضح أيضاً أنّ التسليط الإعلامي على هذه الوحدات المستعربة عموماً و"دوفدفان" خصوصاً يرادُ به تجسيد الرسالة الوحيدة، وهي "قدرة إسرائيل على ضبط الأمن" وأن ما يجري لن يخرج عن السيطرة، مهما كانت المفاجآت، في ظل انهيار عملية التسوية واستمرار المشروع الاستيطاني وتمدده الكبير.

ويبدو أن الرسالة سالفة الذكر، مرتبطة بسياسة اليمين الحاكم لاستعادة ثقة المجتمع الإسرائيلي بمنظومته الامنية والسياسية، وضرب معنويات الشعب الفلسطيني، وردعه لمجرد التفكير بالخروج إلى الميدان والتصعيد، وذلك مع عودة التظاهرات والعمليات الفلسطينية؛ كي لا تمثل ضربة لآخر ورقة استخدمها اليمين لتسويق ذاته لدى الإسرائيليين، في خضم "ملفات الفساد" التي تحوم حول رئيس الوزراء بنيامين نيتنياهو، وعدد من وزرائه.

بَيد أن اعلام إسرائيل يكتفي بالتسويق لوحدة "دوفدفان" المستعربة من غير كشف معلومات بنيوية وتنظيمية هامة؛ ولاسيما أن عدد المنضوين في هذه الوحدة التابعة للإستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، لا يزال مجهولاً.

 يعود ذلك الى ان هامش الحرية لهذا الاعلام في المواضيع السياسية أكبر من ذلك الممنوح له في قضايا أمنية؛ فممنوع لأي صحافي في إسرائيل ان يتحدث عن موضوع بهذا الحجم دون المرور بـ"الفلترة الامنية" ودون موافقة الرقابة الامنية.  

ويُشار الى ان بعض التقارير الأمنية نشرتها مواقع اعلامية إسرائيلية ذات مرة، سُرعان ما تم حذفها بعد دقائق قليلة من نشرها، لانها لم تكن قد مرت بشكل كاف ببوابة الرقابة الامنية التي هي معنية ببقائه، كما قيل عنه قبل سبعين عاماً "البقرة المقدسة"، فيُمنع الإقتراب منه أو انتقاده، او كشف معلومات تضره؛ ذلك أن استباحة الخط الأحمر (الأمن) يعني تفكك المجتمع الإسرائيلي.

لكن واقعياً، تَعزّزت سيطرة التيار العقائدي على المؤسسة العسكرية والأمنية في إسرائيل مع صعود اليمين في السنوات الأخيرة، وما صاحبها من اختلاف لشكل العلاقة بين المستوى الأمني وذلك السياسي مقارنة بالماضي، وحدوث حالة من التداخل الكبير، فمعظم القيادات الامنية ينتمون للتيار الديني القومي، سواء في الشاباك، و الموساد، أو الشرطة والجيش.

وتؤكد تقارير ودراسات هذه المقولة، وخصوصاً تلك التي قالت إن هناك أربعة من بين كل 7 ضباط في هيئة أركان الجيش الإسرائيلي يرتدون "القبعة المنسوجة" التي ترمز للمستوطنين، بعكس الحالة التي كانت عليها المؤسسة العسكرية عام 1993، فحينها لم يكن احد من هؤلاء السبعة يرتدي هذه القبعة بتاتاً.

ويتّضح ان الدعاية التي تقوم بها المؤسسة الامنية والعسكرية في إسرائيل باتت متقاطعة إلى حد كبير مع تلك التي يروجها المستوى السياسي، ولا ينفصل التوظيف الإعلامي لوحدة المستعربين وغيرها كثيراً عن هذا السياق، فهي تصب باتجاه تعزيز سيطرة اليمين، بصفته الوحيد الذي يجلب الأمن للإسرائيليين.


المصدر : موقع المدن 
 

أضيف بتاريخ: 18/01/2018