مقالات أخرى

هل سيُسيطر وادي السيليكون على الصحافة؟

هل سيُسيطر وادي السيليكون على الصحافة؟
 
 


في البداية كانت الصحافة بمثابة عمل ربحي حقيقي لمدة تقارب القرن الكامل قبل حقبة الإنترنت، فكان على كل مؤسسة صحافية تريد أن يكون لها إسمًا معروفًا في السوق، كان يجب عليها أن تمتلك دورًا للنشر خاصة بها، أو محطة تلفزيونية أو إذاعية، وهذا ما جعل مصادر المعلومات في أغلب الأحيان قليلة، تعتمد على مؤسسة واحدة أو اثنتين في كل بلد، حينها كانت للأخبار قيمة صحافية وربحية في الوقت ذاته.
جاءت الثورة التكنولوجية مع بداية عصر الإنترنت، ليغير الأخير المعادلة كليًا بالنسبة للصحافة، أصبح حينها نشر الخبر الصحفي أرخص بكثير مما سبق، وذلك لأن مصادر الأخبار لم تعد محدودة بعد الآن، واستطاع الأغلبية النشر بشكل جنوني على الشبكة العنكبوتية.
أثر ذلك بشكل جذري على المؤسسات الصحافية، فانخفضت أسعار أسهم شركاتها في السوق، وبدأت في تسريح أعداد كبيرة من موظفيها، وانخفضت معدلات الوظائف الصحفية بشكل متضاعف عن معدلات ما قبل عصر الشبكة العنكبوتية، لتتحول المؤسسات الصحافية الكبرى شيئًا فشيئًا للإذاعة التلفزيونية بشكل شبه رئيسي وتقل عدد دور نشر الصحف بشكل ملحوظ.
هناك بعض المؤسسات الصحافية تؤدي أداءًا جيدًا على القنوات التلفزيونية وذلك لأن مازال هناك من يشاهدون، ومازالوا متابعين لمصادر الأخبار من القنوات التلفزيونية، إلا أن عددهم يقل شيئًا فشيئًا بعد أن خرجت أكثر المنصات تهديدًا للمؤسسات الصحافية المطبوعة والمُذاعة على التلفزيون في نفس الوقت، وهي منصات التواصل الاجتماعي الآتية من رحم وادي السيليكون.
 


إحدى نسخ صحيفة "News World" الأخيرة معروضة للبيع في لندن
بعد انتشار منصات التواصل الاجتماعي، اتجه الكثير من متابعي مصادر الأخبار على القنوات التلفزيونية إلى متابعتها على فيس بوك أو تويتر أو سناب شات، والتي أصبحت هي المنصات الأكثر تأثيرًا في الأخبار المسيطرة على الرأي العام، بل و أصبحت في أحيان كثيرة هي من تصنعه.
أصبح لأصحاب عمالقة التكنولوجيا من وادي السيليكون قابلية للسيطرة على صناعات بأكملها، بل ولهم القدرة على خلق ثورات تكنولوجية جديدة من العدم، ولهم القدرة على خلق حركات مضادة أيضًا، كان هذا واضحًا من ردة فعل رواد التكنولوجيا المضادة لسياسة دونالد ترامب المعادية للاجئين والمهاجرين، حيث كانت تلك بداية ظهور رواد الأعمال ورواد التكنولوجيا يتحدثون بطريقة جديدة، ويقحمون أنفسهم في سياسات الرأي العام، بل ويروجون لها من خلال منصاتهم.
لا تخلو خطط مؤسس فيسبوك و جوجل و تويتر وسناب شات وحتى نيتفليكس من أمل أن يكونوا قادرين على جعل العالم مكانًا أفضل، وبعد التغيير الجذري الحادث نتيجة تأثير هؤلاء العمالقة على كثير من الصناعات والمجالات المختلفة من حولنا، لا يخلو مجال الصحافة أيضًا من تأثيرهم، لا سيما وهم يحاولون السيطرة عليه.
لا يعد سيطرة رواد وادي السيليكون على المؤسسات الصحافية بمثابة مخاوف غير واقعية فحسب، فقد قام المدير التنفيذي لشركة أمازون "جيف بيزوس" بشراء المؤسسة الصحفية "واشنطن بوست" بمبلغ قدره 250 مليون دولار في عام 2013، وقام باستثمار 50 مليون دولار في المؤسسة في العام الماضي فحسب، وقام بتحويل تعريف المؤسسة بنفسها على موقعها الرسمي بأنها شركة إعلامية و تكنولوجيّة.
 
على اليمين مخطط يوضح انخفاض في معدلات التوظيف في قطاع الصحافة الورقية في الولايات المتحدة، وعلى اليسار مخطط يوضح انخفاض أرباح الشركات والمؤسسات الإعلامية والصحافية
لم يعد الخبر وحده يكفي في العالم الذي صنعه رواد التكنولوجيا، ولم تعد مصداقيته تهم بالقدر الذي كانت عليه من قبل، فلا يهم ما سبق من دون البروباجندا أو الدعاية التي تصنعها منصات التواصل الاجتماعي في طريقة نشر الخبر وطريقة عرض المحتوى أو بمعنى أصح في طريقة صُنع المحتوى، وهذا ما جعل الصحافة بطريقة أو بأخرى معتمدة بشكل كبير على شركات التكنولوجيا العملاقة، والتي تتحكم في جزء كبير من جمهورها، كما تأخذ جزء كبير من ربحها.
في خضم الرغبة العارمة في الحصول على مزيد من المشاهدات أو القراءات من خلال النقرات التي ينقرها المستخدمون على فيس بوك أو تويتر، والشغف باستخدام لوغارتميات جوجل للحصول على أكبر حصة من نشر الأخبار والمعلومات والحصول على اهتمام عدد أكبر من الجمهور، استطاع وادي السيليكون أن يجعل من منصاته وسيلة شديدة الأهمية بالنسبة للصحافة للحفاظ على الذات.
استطاع فيس بوك و جوجل الحصول على إذن المؤسسات الصحفية بمختلف أنواعها و مع اختلاف درجات أهميتها على الإذن في بيع الإعلانات الخاصة بها، والترويج لمحتواها، ونشره، وهو في النهاية ما جعل تلك الشركات مثل جوجل و فيس بوك أن تتحكم بشكل أكبر في شركات الإعلام الرقمي بالذات.
بناءًا على ذلك التغيير ظهرت العديد من العلوم الجديدة على الصحافة الرقمية لم تكون موجودة من قبل، مثل مفهوم إدارة المواقع الاجتماعية، أو علم "المرور" أو " science of traffic" وهو ما يعني سلوك الجماهير للاستجابة للمحتويات المنشورة بسرعة
 
أمازون تشتري صحيفة واشنطن بوست بمبلغ قدره 250 مليون دولار
من هنا سيستطيع فيس بوك أن يتحكم في المحتوى المنشور، وذلك من خلال تقديره لأهمية المقاطع المصورة أو الفيديوهات أكثر من تقديره للتقارير المكتوبة على سبيل المثال، ومن هنا أيضًا سيستطيع النهوض بحملات دعائية "بروباجندا" لأحداث و أخبار أقل أهمية من الأخبار الحقيقية التي تحتاج من المستخدم وقتًا للقراءة والفهم والاستيعاب.
يعني هذا الاتجاه في الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي التي لم يعد هناك أي خيار سوى الاعتماد إليها من قبل الشركات الإعلامية أن شركات التكنولوجيا العملاقة ستستطيع إملاء نمط العمل على الشركات التي تصنع المحتوى، وهو من الممكن أن يغير روح المهنة الصحافية وجوهرها بشكل جذري.
بناءًا على ذلك التغيير ظهرت العديد من العلوم الجديدة على الصحافة الرقمية لم تكون موجودة من قبل، مثل مفهوم إدارة المواقع الاجتماعية، أو علم "المرور" أو " science of traffic" وهو ما يعني سلوك الجماهير للاستجابة للمحتويات المنشورة بسرعة والنقر على الرابط الخاص بها لزيارتها أو لقراءتها أو لمشاهدتها، بل خرجت بعض المواقع بمعادلات رياضية خاصة بذلك السلوك ومنها معادلة "Buzzfeed" الخاصة بإحتمالية انتشار محتوى بشكل جنوني على مواقع التواصل الاجتماعي وهي R = ßz
تعني  ß في المعادلة السابقة في العلوم المعرفية احتمالية الانتقال ( Transmission) و تعني z في المعادلة عدد الأشخاص المعرضين لفرد ناقل أو ناشر بلغة الشركات الإعلامية، والمعادلة بشكل عام تفيد إحتمالية إنتشار محتوى ما بشكل سريع Viral.
هذا لا يعني عدم احترافية شركات الإعلام الرقمي الكبرى مثل Buzzfeed أو هافينغتون بوست الأميريكة على سبيل المثال، فهم يقومون بالاستثمار في مجالات تحريرية مهمة، ويقومون بتعيين الكثير من الصحفيين المحترفين، إلا أن شركات التكنولوجيا العملاقة ووجودها في الصورة يعني تعيين أنماط تحريرية معينة على تلك الشركات وما يماثلها، وهذا هو التأثير الأكبر لسيطرة عمالقة التكنولوجيا على الصحافة.



المصدر: نون بوست-أميرة جمال

أضيف بتاريخ: 22/01/2018